وقيل: «شديد المحال» أي شديد النقمة، أو القوة، أو شديد الكيد والأخذ والغضب والهلاك؛ وله دعوة الحق»: أي دعوة الصدق، والحق والدعاء به هو دعوة الحق، وقيل: إن الإخلاص في الدعاء هو دعوة الحق، وأنه الدعاء عند الخوف، فإنه لا يدعى عند الخوف إلا الله؛ وقوله: (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (16) يعني يلزم لذلك أن يعبده كل شيء، والآية ردّ على القدرية والملاحدة والليبراليين، الذين يدّعون أنهم يخلقون كما يخلق الله، ويتباهون باستنساخ النعجة دوللى؛ و «عقبى الدار» : عاقبة الآخرة، وهي الجنة للمطيعين، والنار للعصاة، ومثل ذلك «سوء الدار» ، أي سوء المنقلب، وهو جهنم؛ و «طوبى لهم» : قيل: طوبى اسم للجنة، وقيل معناها حسنى ونعمى لهم، من الطّيّب، أي لهم الحياة الطيبة المستطابة؛ وقيل: طوبى شجرة طيّبة في الجنة، ولله الحمد والمنّة، ونسأله تعالى أن لا يتوفّانا إلا على الكتاب والسنّة، آمين.
السورة مكية، وآياتها اثنتان وخمسون، وترتيبها في المصحف الرابعة عشرة، وفي التنزيل الثانية والسبعون، وسميت باسم «إبراهيم» ، لأن الكلام عن إبراهيم غالب فيها، ولأنه أبو الأنبياء، وإمام الحنفاء، وهو الذي أسكن بوادى مكة ولده إسماعيل وأمه عند البيت الحرام، ليجعله بيتا تهوى أفئدة الناس إليه. وتبدأ السورة بالحروف المقطّعة «الر» (ألف لام راء) ، كأربع سور أخرى هي بحسب ترتيب النزول: يونس، وهود، ويوسف، والحجر، ثم إبراهيم، إشارة إلى أن القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف البسيطة، ومع ذلك كانت آياته معجزة، ولم يستطع إنس ولا جان أن يأتي بمثلها، تنبيها إلى عظمة القرآن، وأنه تعالى أنزله على نبيّه صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والعلم، على سبيل تمثيل الكفر بالكلام، والإسلام بالنور. وكان نزوله بلغة العرب، فالرسل هكذا يرسلون بلغات أقوامهم، ليبيّنوا لهم بها، ولقد أرسل موسى بالآيات - أي الحجج والبراهين، قيل هي تسع آيات، وذكّرهم بأيام الله، أي بالأحداث التي وقعت لهم على مرّ الأيام، والتي نجّاهم الله منها، لعلهم يواصلون على الصبر والشكر، وما يشكر إلا الصبّار والشكور، أي كثير الصبر الشاكر دائما وأبدا لله، وهو الذي إذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وفي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر» ثم تلا: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (5) (إبراهيم) ، وخصّ الله تعالى الصبّار الشكور بالآيات، لأنه يعتبر بها، ولا يغفل عنها، كقوله تعالى: (إِنَّما أَنْتَ