فهرس الكتاب

الصفحة 1308 من 2524

السورة مدنية، وهي آخر ما نزل من السور، وكان نزولها في منى في حجّة الوداع بعد أيام التشريق، تبشّر النبيّ صلى الله عليه وسلم بفتح مكة، ولذلك سميت سورة الفتح، ولأن البشارة فيها كانت بالنصر فسميت «سورة النصر» .فلما فتحت مكة صار العرب يقدمون إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أفواجا أفواجا يعلنون إسلامهم، وأمره الله إذا وجد ذلك وفتح عليه، أن يستغفره ويتوب إليه. وتساءل المستشرقون والمشركون: لا بد أنه أذنب قبل الإسلام وبعده وإلّا فلماذا يؤمر بالاستغفار؟ والجواب: الاستغفار كان دأبه صلى الله عليه وسلم، فكان يدعو: ربّ اغفر لي خطيئتى وجهلى وإسرافى في أمرى كله، وما أنت أعلم به منى. اللهم اغفر لي خطئى وعمدى، وجهلى وهزلى، وكل ذلك عندى. اللهم اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أعلنت وما أسررت، أنت المقدّم وأنت المؤخّر، إنك على كل شيئ قدير». أخرجه البخاري، فكأنه كان يستقصر نفسه لعظم ما أنعم الله عليه، وكان يرى قصوره عن القيام بحق الشكر فيستغفر، والاستغفار تعبّد يجب إتيانه، ليس طلبا للمغفرة وإنما تعبدا، وهو تنبيه لأمة الإسلام حتى لا تترك الاستغفار. فإذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم - وهو المعصوم - يؤمر بالاستغفار فما الظن بغيره؟ وفي رواية للبخاري عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر بعد نزول هذه الآية - أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك. اللهم اغفر لي» ، وفي رواية أخرى قالت: كان يكثر في آخر أمره من قول: «سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه» ، وكان يقول: «إن ربّى كان أخبرنى أنى سأرى علامة في أمّتى، وأمرنى إذا رأيتها أن أسبّح بحمده وأستغفره إنه كان توّابا، فقد رأيتها: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ(1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا) (3) . وفي رواية أم سلمة قالت: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يجيء ولا يذهب، إلا قال: سبحان الله وبحمده؛ استغفر الله وأتوب إليه - فإني أمرت بها» . وفي رواية أبى هريرة قال: اجتهد النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد نزول سورة الفتح حتى تورّمت قدماه، ونحل جسمه، وقلّ تبسّمه، وكثر بكاؤه». وقيل: إنه ما كان قط أشد اجتهادا في أمور الآخرة ما كان منه عند نزولها - أي نزول سورة النصر. ولما نزلت سورة النصر، قرأها على أصحابه ففرحوا واستبشروا، إلا العباس فإنه بكى، وسأله النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا عمّاه؟ قال: نعيت إليك نفسك!» فكأن السورة كانت علامة تؤذنه بحضور أجله، وأسرّ بذلك لعائشة. وقيل إنه بعد نزولها، نزلت: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (3) (المائدة) فعاش بعدها ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت