فهرس الكتاب

الصفحة 514 من 2524

«يقلعها حجرا حجرا» ، وبرواية أخرى: «لا يعمر - أي المسجد الحرام - بعده أبدا» ، وقد فعل ذلك فعلا القرامطة بعد سنة 300 ه‍، فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا يحصى كثرة، وقلعوا الحجر الأسود فحوّلوه إلى بلادهم، ثم أعادوه بعد مدة طويلة، ثم غزى البيت الحرام مرارا من بعد، ولا يتعارض ذلك مع قوله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا) ، لأن الغزو والتخريب إنما وقعا بأيدى المسلمين، وهو مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولن يستحل هذا البيت إلا أهله» ، فوقع ما أخبر به النبيّ، صلى الله عليه وسلم وهو دليل على نبوته، ودليل على أن ما أنزل عليهم من القرآن صدق.

الفتن جمع فتنة، وأصلها إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، وتطلق الفتنة على العذاب، كقوله: (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) (14) (الذاريات) ، وعلى الاختبار، كقوله: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) (40) (طه) ، وعلى الابتلاء، كقوله: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (35) (الأنبياء) . والفتنة كما تكون من الله تكون من البشر، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) (10) (البروج) ، وأصل الفتنة إذن هو الاختبار، ثم استعلمت فيما يؤدى إليه الاختبار من مكاره، ثم أطلقت على كل مكروه. وفي الحديث: «اللهم إنا نعوذ بك أن نفتن» ، وفي التنزيل: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (25) (الأنفال) ، والآية تأمر بأن لا يقر المسلمون المنكر بين أظهرهم فيعمّهم العذاب، وفي الحديث: «إن الله لا يعذّب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك - أي لم ينكروه - عذّب الله الخاصة والعامة» .

الكثير من أحاديث الفتن يتعارض مع القرآن، فالآية تقول: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) (193) (البقرة) ، والمعنى لا ينحصر في مناسبة نزول الآية، ولا يقتصر على مقاتلة الكفار وأهل الشرك، وإنما قتال الظلمة والطغاة والمستبدين، ومنازعة هؤلاء تفرضها آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحاديث النصح لأصحاب السلطة، وقد سأل المسلمون النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن كان علينا أمراء يأخذون بالحق الذي علينا، ويمنعونا الحق الذي لنا، أنقاتلهم؟ قال: «لا، عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» . وقال: «سيكون أمراء فيعرفون وينكرون، فمن كره برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضى وتابع ... » ، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما أقاموا الصلاة» ؟! وفي رواية قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت