فهرس الكتاب
الدُّنْيا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى) (17) ، يريد: أن هذه الآيات كلها أمثال وعبر من نوع ما كان يتنزّل على إبراهيم وموسى وداود وسليمان.
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) (4) يضرب بهذه العبارة القرآنية المثل فيما يقاسى الإنسان في الحياة، وما يكابد من أعباء الدنيا. وأصل الكبد: الشدة والعناء والنصب، ومنه الكبد لأنه دم تغلّظ واشتد، ويقال: كابدت الأمر: قاسيت شدّته. ولم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق. قيل أول ما يكابد ضيق الرحم في بطن أمه؛ وآلام الميلاد؛ وأن تقطع سرّته؛ ويقمط له بالقماط؛ ويشدّ عليه بالرباط؛ ويكابد الارتضاع؛ ثم نبت أسنانه؛ والفطام وهو أشد عليه من اللطام؛ ويكابد الختان؛ ثم يكابد المعلّم وصولته؛ والمؤدّب وسياسته؛ والأستاذ وهيبته؛ ويكابد أوامر الأبوين واستعباد الإخوة؛ وسيطرة الإخوان والخلّان؛ ومتاعب المراهقة؛ والبحث عن عمل؛ والسعى وراء لقمة العيش، وهموم الزواج والأسرة، وشواغل الأولاد؛ ومشاكل الخدم والجيران والرؤساء؛ ثم بداية الشيخوخة وانصرام العمر ولمّا يقضى آماله؛ وهجمة الأمراض والكبر والهرم؛ ومصائب يكثر تعدادها؛ ونوائب يطول إيرادها؛ ويكابد محن المال والنفس والجسم؛ ولا يمضى عليه يوم إلا يقاسى فيه شدّة، ويكابد مشقة؛ ثم يكون الموت؛ وضغطة القبر وظلمته؛ ثم البعث والعرض والحساب، إل أن يستقر القرار، إما في الجنة أو في النار. فيا لها من مكابدات ومكابدات!!
(أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) (5) ذهبت هذه العبارة مثلا، فكلما طغى إنسان وتجبّر، فقد يقال له ذلك، توهينا في ظلمه، وتشجيعا لعدوه. ونزلت هذه الآية في رجل يقال له أبو الأشدّين، كان مثلا في القوة والشدّة والبأس والطغيان، جرئ القلب في الباطل، غليظ الكبد في الحق.
(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) (11) : الآية تجري مجرى الدعاء بمعنى: لا نجا ولا سلم. والعقبة: المرقى الصعب، والاقتحام: أن ترمى بنفسك في الشيء من غير روية؛ واقتحام العقبة: ضرب مثلا لمن لا يفعل الخير ويرقى بنفسه عن الدنية، ومن لا يؤمن بربّه، وكأن معنى هذه العبارة تقولها ساخرا: كأنك ما فعلت شيئا، أو كأنك تحب أنك قد فعلت شيئا عظيما!