كل الأنبياء إما أخطئوا أو هموا بخطيئة، ومنهم موسى، وعيسى، ونبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل إن يحيى بن زكريا لم يخطئ، إلا أن خطأه كان نقده الشديد لهيروديا وهيرودس بلا روية وباندفاع، واتهامه لهيروديا بالزنا، فتسبب ذلك في قتله على النطع بالسيف، وفصلوا رأسه عن جسده وقدموها لهيروديا في طبق. (متى 14/ 3 - 11، لوقا 3/ 19 - 20، مرقس 6/ 16 - 28) . ولأن الأنبياء كانوا جميعا من البشر، بما فيهم عيسى، وبدءا من آدم، فكان عليهم أن يخطئوا، وإلا ما كانوا بشرا، ووصّف الله تعالى خطأ الأنبياء وهو يوصف خطأ آدم، فقال: (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (115) (طه) فأطاع إبليس وانصاع لهواه، ومع أنه عاهد الله فلم يحفظ العهد، فالسبب إذن في خطأ الأنبياء أنه لم يكن لهم العزم، أي القوة والمثابرة على الالتزام والوفاء بالعهد، إلا أنه شتّان بين خطأ نبيّ وخطأ إنسان عادى، وعلى العموم فإن آفة الإنسان تهافت العزم.
أخطأ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذه حقيقة، وخطؤه صلى الله عليه وسلم لأنه بشر، وهذا واقع، والقرآن سجّل في بعض آياته أخطاء للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ووجّه إليه بسببها العتاب، فأحيانا يشتد العتاب ويقسو، وأحيانا يلطف ويرق، والعتاب في القرآن للنبيّ صلى الله عليه وسلم دليل على أن القرآن ليس من عند محمد، فلو كان هذا العتاب من كلامه لما عاتب نفسه ونشر خطأه على الناس يقرءون عنه في كل وقت، ويرتلونه في المساجد وعلى الملأ. وكانت أخطاؤه من نوع أخطاء الأحكام، كهذا الخطأ الذي تحكي عنه هذه الآية: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (1) (التحريم) ، قيل إنه حلف أن ماريا القبطية عليه حرام، وأقسم أن لا يقربها؛ وقيل حلف أن لا يشرب العسل عند زينب بنت جحش ولا عند غيرها؛ وما كان له أن يحرّم على نفسه ما أحل الله له. وفي حكاية خولة بنت ثعلبة حرّم عليها زوجها أوس بن الصامت لما ظاهرها، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت عليه» ، فما زالت تراجعه ويراجعها وهو يقول: «هو ما قلت لك» ، فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله!. فنزلت الآية: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (1) (المجادلة) . وأمثال هذين الخطأين من دلائل بشريته وعبوديته لله، ورغم مقامه المحمود عند ربّه، إلا أنه لم يخرج عن أن يكون عبدا لله،