ذلك. والآية من خير ما يتمثل به المسلمون في مثل هذه المواقف، فيقولون لصاحب الاتجاهين والمتراوح بين الأمرين: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
كان النبيّ صلى الله عليه وسلم منذ بداية المبعث أفاكا عند اليهود العرب، واتهمه أهل الكتاب في أوروبا منذ بداية العصور الوسطى بالإفك، وما يزال أفّاكا عند مفكرين من أمثال رودنسون اليهودي، وقد تناول القرآن ذلك في سورة الفرقان، قال: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا) (4) ، وكنا عند ما نقرأ هذه الآية نحسب أن ما يقولون به هو نفسه ما كان يظنه الأولون في النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعجبنا أن يذهب إلى نفس المذهب رغم الفارق الزمنى، المحدثون من الأوروبيين، ورغم مقالة القرآن فيمن رأى رأيهم، قال: (جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا) . والإفك: هو الكذب، والحديث الإفك: هو الذي لا أصل صحيحا له. وأول من قال ذلك في النبيّ صلى الله عليه وسلم: النضر بن الحرث، ورغم أنه عربي وابن خالة النبيّ صلى الله عليه وسلم، إلا أن ثقافته لم تكن عربية، وكان يقرأ بالفارسية، وقرأ تاريخهم في الحيرة، وكان أول من غنّى على العود بألحان فارس. ولمّا أظهر النبيّ صلى الله عليه وسلم الإسلام وتلا على الناس القرآن، كان الشّرك الفارسى مستحكما فيه، فبادر النصّ القرآني بالعداء، واختصمه، وهزأ به، وندّد بالقرآن، وتزعّم معسكر المخالفين، وكان صاحب لواء المشركين في بدر، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلسا للتذكير بالله والتحذير من مثل ما لحق الأمم الخالية من نقمة الله تعالى، جلس النضر بعده فحدّث بأخبار ملوك فارس ورستم وإسفنديار، يقول: أنا أحسن من محمد حديثا، وهو في حديثه لا يأتيكم إلا بأساطير الأولين! - ونحن كثيرا ما نسمع اليوم مثل ذلك النقد للقرآن. وقيل إن المسلمين لما أسروا النضر، قتلوه صبرا بعد انصرافهم من بدر، فقالت ابنته قتيلة:
ما كان ضرّك لو منيت، ربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق تريد بذلك لوم النبيّ صلى الله عليه وسلم على قتله، وقال الجاحظ: إنها استوقفته وهو يطوف بالكعبة، وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه، وأنشدته أبياتها هذه، فرقّ لها حتى دمعت عيناه، وقال: لو بلغنى شعرها قبل أن أقتله لوهبته لها! - والجاحظ كاذب، فلا وجود لقتيلة التي أطلق عليها اسم ليلى ابنة النضر، ولا قتيلة هذه قالت شعرا فيه، والقصيدة كلها ملفقة، وشعرها مصنوع، والنضر لم يقتل صبرا وإنما أصابته جراح، وامتنع عن الطعام والشراب لا يتناوله من أيدى المسلمين، فمات! - وقيل: إنما قتيلة كانت أخت النضر، والنضر لم يكن