فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 2524

مخاطباته للناس قصيرة موجزة تناسب أفهامهم، لأن ثقافتهم كانت ثقافة بدوية، وحضارتهم كانت حضارة وثنية متخلّفة، بينما كان الناس في المدينة أهل كتاب غالبا، ولهم دراية بالتوحيد، وأصحاب تشريعات وفلسفة، وثقافتهم ثقافة عبرانية غالبا، فكان على محمد صلى الله عليه وسلم أن يرتقى إلى مستواهم، وأن يخاطبهم بما ينبغي لهم، فهذا هو سبب اختلاف أسلوب السور المدنية عن السور المكية. وهذا غير صحيح، فهناك سور طويلة مكية مثل سورة: الأنعام والأعراف والكهف، فليست كل السور المكية قصيرة، وكذلك ليست كل السور المدنية طويلة، فالنصر مثلا مدنية، وقيل إنها آخر سورة مدنية، وآياتها ثلاث آيات فقط! وبعض السور المكية فيها من الروح العامة من السور المدنية، وأيضا فإن الروح المكية تنضح في بعض السور المدنية، لأن الصلة معقودة بين السور هنا وهناك، والتناسب كذلك مطلوب فيهما، فكل سورة لها مقاصدها وما يناسبها من الأسلوب، بحسب موضوعاتها، والمهم أن القرآن على طوله، عبارة عن سلسلة متصلة الحلقات من الآيات والسور المحكمة، كالعقد، حبّاته هنا أو هناك تكون أصغر أو أكبر لتكوّن معا في النهاية نظما متكاملا متناسقا رضيا. ثم إن القصر في السور ليس دليل انحطاط ثقافى، وإنما مظهر إيجاز لا يتوفر إلا لقوم يمتازون بالذكاء والفهم، كما أن التطويل مظهر إطناب لا يقصد به إلا أن يفهم الذين يتأبّون على الفهم ويستعصى عليهم الإدراك بسرعة. واليهود في التوراة يميلون إلى التطويل، واشتكى أنبياؤهم من شدّة غبائهم وعنادهم وجحودهم، وحاجتهم إلى الشرح الكثير، والتفسير المطنب، ولو كان أهل المدينة أذكى من أهل مكة، فلماذا لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل سورة من القرآن أو حتى آية، وقد أعيا ذلك أهل مكة منحطّى الثقافة؟!

453 -شبهة أن الشريعة كانت في المدينة بسبب اليهود

من أكاذيب المستشرقين أنه لولا وجود اليهود في المدينة لما كانت التشريعات التي حفلت بها السّور المدنية. ولو كان هذا صحيحا، وكان لليهود هذا الأثر الإيجابي الإنشائي على الإسلام، فلماذا لم يكن لهم هذا الأثر على عرب المدينة، وعلى عرب الجزيرة كلها قبل الإسلام؟ ثم إن القرآن لم يأخذ منهم، وإنما جاء لإصلاح ما هو قائم وفاسد عندهم، سواء في العقيدة، أو في التحليل والتحريم، فكيف يستدين المصيب من المخطئ؟ وكيف يرجع من هو على صواب إلى من هو على خطأ؟ والأصل في الحضارات أنها تكون في بدايتها بسيطة وتؤكد على الكليات، ثم تتفرع منها إلى الجزئيات والتفاصيل، وهكذا كان الإسلام في مكة يهتم بالعقيدة، ثم في المدينة استكمل التشريع؛ وحتى وهو في مكة لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت