من حديثه صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة» ، أي كأنها لمحة، والمراد نزع البركة من كل شيء حتى الزمان، فتقصر الأيام، وتمضى الشهور والسنون سراعا، وهذا القصر معنوى، وقال: «فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشرّ منه» ، وقال: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشى، والماشى فيها خير من الساعى. من تشرّف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذ به» ، ومعنى تستشرفه تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك. وهذه الأحاديث ينبغي أن نقابلها بالشك، والصواب أن يقال: إن الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه، فمن أعان المحقّ أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ.
401 -الإسلام والقرآن في آخر الزمان
فى الحديث أن الإسلام في آخر الزمان: «يدرس كما يدرس وشى الثوب، حتى لا يدري ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، ويسرى على الكتاب - يعني القرآن - فلا يبقى في الأرض منه آية» ؛ والقرآن: «ينزع من بين الظهور ويسرى عليه ليلا فيذهب في أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شئ» ، «فمن أنكر برئ، ومن كره سلم» . ومن علامات الساعة: «أن الهداة في آخر الزمان يهدون بغير هدى، وتعرفون منهم وتنكرون» ، فإذا عاينا ذلك: «فلنلزم جماعة المسلمين وإمامهم، وإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، فلنترك تلك الفرق كلها، ولو أن نعض بأصل شجرة حتى يدركنا الموت ونحن على ذلك» ولزوم الجماعة: لأنه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لم يكن الله ليجمع أمة محمد على ضلالة» والجماعة التي تلزمها ليست أي جماعة، وإنما المقصود أنها الجماعة المستنيرة، أو جماعة أهل العلم الرافضة للظلم، والمطالبة بالإصلاح والتغيير وسئل صلى الله عليه وسلم: فكيف إذا بقينا في حثالة من الناس، قد مرجت (أى فسدت) عهودهم وأماناتهم واختلفوا؟ قال: «عليك بخاصتك ودع عنك عوامهم» . وسئل: فكيف تأمرنا؟ قال: «تأخذ بما تعرف وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك، وتدع عوامهم» وكما ترى فالفتن في آخر الزمان ابتلاء واختبار، وفي الحديث: «لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان، فإنها تبير المنافقين» أي تهلكهم، وربما كنا الآن في زمن الفتنة التي تموج موج البحر، والتي يصبح الناس فيها كالبهائم لا عقول لهم، وفي زماننا هذا ذهبت عقول أكثر الساسة وأولى الأمر، والمسلم لا تضرّه الفتنة ما عرف دينه، والفتنة لا تقوم إلا إذا اشتبه الحق والباطل، والذين