فهرس الكتاب
14)، وأن يقول: (لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (163) (الأنعام) ، وانتقد المستشرقون هذه الآيات، بأن إبراهيم والأنبياء قبله كانوا من المسلمين، ومن الدعاة كذلك، وكانوا تاريخيا قبل النبى صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون هو أولهم مع أنه آخرهم؟ والجواب: أن الآية من التعليم الإلهي له، بأن يردّ على المكذّبين إذا جادلوه وكذّبوه، بأنه آمن بالله لا شريك له، وأنه أول المسلمين إعلانا وتأكيدا له، ونشرا لعبادته وتوحيده، فإن كان إبراهيم قد سبقه فلم تكن له جماعة سوى عشيرته، وموسى اقتصر على بني إسرائيل، وعيسى قال عن نفسه: إنه ما جاء إلا لخراف بني إسرائيل الضالة، وكلّ نبيّ كان له قومه يدعوهم بدعوته، إلا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإنه أول من دعا إلى ربّ العالمين، وأول من ينزل عليه كتاب مدوّن محفوظ، وأمته من بعده خلفاء له، وهي الأمة الشاهدة على الأمم، وأمة البلاغ عنه، والمسلمون فردا فردا، ورثوا عنه الرسالة والتبليغ، فكل من يقوم مقامه في التبليغ فهو أول المسلمين مثله - أي في المقام الأول من حيث الاعتبار بما قد كلّف به، وما أدّاه منه. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم لفاطمة، أنه أمرها أن تقول ما خصّ به أن يقوله هو عن نفسه: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ(162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (163) (الأنعام) ، ولما سأله عمران عن هذه الآية: يا رسول الله! هذا لك ولأهل بيتك خاصة، أم للمسلمين عامة؟ قال: «بل للمسلمين عامة» ، فكل من يؤمن به تعالى، ويدعو إليه، ويؤدى تكاليف الإيمان، فهو من «أوائل المسلمين» ، وفي صفّهم. وفي الحديث عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة» ، يعني إن كان النبيّ صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء، وأمته هي آخر الأمم، فإنه وأمته إن شاء الله، هم الأولون يوم القيامة وعند دخول الجنة، بأعمالهم وصلاحهم، وإخلاصهم، وبرواية أبى حذيفة قال: «نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق» ، وبالتعبير القرآني أنهم (السَّابِقُونَ) (10) (الواقعة) ، سبقوا الأمم بالإيمان، وكانوا أول الناس رواحا للصلاة، وجهادا بالنفس والمال، وأخذا بالتوبة، وعملا بالبر والإحسان، فلما أسلموا لله كانوا من الأولين، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم أولهم في السبق، لأنه نبيّ الأمة ورسوله تعالى.
قالوا في قوله تعالى: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (163) (الأنعام) ، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أول الخلق أجمع، وفي نداء الفجر يقال: «يا أول خلق الله» ، والمقصود أنه فعلا أول الخلق