فهرس الكتاب
بمراحل، فالصلاة إذن كانت موجودة، وكانت خمس صلوات، وكانت كل صلاة ركعتين إلا المغرب، فلما كان في المدينة زيدت صلاة الظهر والعصر والعشاء. والحديث في الإسراء كان عن عدد الصلوات وليس عن عدد الركعات ولا كيفية الصلاة. والوضوء رغم أنه صلى الله عليه وسلم تعلمه من جبريل في الإسراء كما تقول الرواية، إلا أن الرسول والمؤمنين كانوا يتوضئون من قبل ذلك ويغتسلون ويتطهّرون، ولم يتقرر الوضوء شرعا إلا في سورة المائدة في المدينة، كقوله تعالى: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ... ) (6) ولم تزدهم الآية إلا أن الوضوء صار يتلى قرآنا، وأعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم، وكان قد تقرر قبل ذلك في سورة النساء (43) . ورغم ذلك فإن قصة الإسراء والمعراج عمّقت الفكرة الإسلامية وجعلت لها أبعادا أكبر، ولو قارنا بها أسفار الرؤى عند أنبياء مثل: أشعياء، وإرميا، وباروخ، ودانيال، ويوحنا، وغيرهم، نجد أن هذه الرؤى نبوءات وليست رؤى، وإنما الرؤيا بحق هي رؤيا الإسراء والمعراج، وهي نموذج للرؤى عند الأنبياء، ويجدر التنبيه إلى أن تراث الإسراء حافل بالأحاديث والمحاورات بين النبيّ صلى الله عليه وسلم والأنبياء، وبينه وبين جبريل، وبينه وبين الله تعالى، وإن كانت أحاديث مشكوكا فيها ومن وضع الوضّاع.
وبعد فهذا ما توفر لنا من هذه القصة واجتهدنا رأينا فيه، والله الموفق، والحمد لله ربّ العالمين.
يتناول القرآن غزوة الخندق وبنى قريظة في الآيات من 9 إلى 27 من سورة الأحزاب، من قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (9) ، إلى قوله تعالى: (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا(25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (27) وتشرح هذه الآيات كيف حزّبت الأحزاب ضد المسلمين، فكانت «وقعة الخندق» ، وهذه جرت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، وكانت ووقعة بنى قريظة في يوم واحد، بينما كان بين وقعة بنى قريظة ووقعة بنى النضير أربع سنوات. والذين «جاءوا من فوقهم» في الآية (10) هم: بنو قريظة؛ والذين «جاءوا من أسفلهم» . قريش وغطفان؛ والذين «حزّبوا الأحزاب» وألّبوا القبائل على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين هم: اليهود، فهذا دأبهم مع
المسلمين منذ البداية. وفي عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم تزعم هذه العصبة اليهودية سنة، كلهم يهود، وهم: كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وحييّ بن أخطب، وهؤلاء كانوا نضريين؛ وهوذة بن قيس، وأبو عمّار، وهذان كانا من بنى وائل، وخرجوا في نفر من بنى النضير ومن بنى وائل، فأتوا مكة، فدعوا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أجابهم أهل مكة، خرجوا إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم، فهؤلاء هم الأحزاب: قريش يقودهم أبو سفيان؛ ثم غطفان، ومنهم الفزارية يقودهم عيينة بن حصن الفزّارى؛ وبنو مرّة يقودهم الحارث بن عوف، وأشجع، يقودهم مسعود بن رخلية.