فهرس الكتاب
في الترتيب قبل البصر دليل فضل السمع عليه، فالسمع يدرك من الجهات الست، وفي النور والظلمة، ولا يدرك البصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء وشعاع. وفي أسماء الله الحسنى يأتي أنه «سميع بصير» إحدى عشرة مرة، وأنه «سميع عليم» 32 مرة، وأنه «سميع قريب» وذلك دليل أكيد على فضل السمع على البصر.
السحر أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد فيخيّل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة حثيثا أو القطار، يخيل إليه أن ما يرى من أشجار وجبال تسير معه. والسحر يشتق من الفعل سحر أي خدع، والسحر خداع، والتسحير مثله، وقوله تعالى: (إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) (الشعراء 153) ، أي الذين وقعوا ضحية السحر حتى فسدت به عقولهم. والسحر: هو الاستمالة، فمن يسحرك يستميلك، وقوله تعالى: (نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (الحجر 15) أي سحرنا فذهبت معارفنا وحلّت محلها تخيلاتنا. والسحر لا ينطلى إلا على أشخاص بأعينهم، يتميزون بالاستهوائية والتجاوب السريع. ومن السحر ما يكون خفة يد كالشعوذة، ومنه ما يحفظ كلاما كالرقى. وسمى الرسول صلى الله عليه وسلم الفصاحة في الكلام واللسان سحرا فقال: «إن من البيان لسحرا» ، لأن السامع يضل بكلام المتكلم عن الحق فيظن الباطل حقا، وهو قول يخرج مخرج الذمّ للبلاغة والفصاحة إذ يشبّهها بالسحر. وقيل خرج مخرج المدح للبلاغة والتقليل للبيان، والأول أصحّ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» ، وقوله: «إن أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيقهون» ، والثرثرة هي كثرة الكلام، والثرثار كثير الكلام، والمتفيقه مثله. ومن السحر ما يدّعون به تغيير صور الناس، وقطع المسافات، والطيران في الهواء، وكان ذلك في الماضى لسذاجة الناس، والآن قد يفعله العلماء بالتكنولوچيا وليس بالكلام. وبعض أهل الدين يؤمنون بالسحر ويدّعون أن له حقيقة، وأصحاب العقل وأولو النهي يرفضونه ويصفونه بالتمويه والتخييل، وفي القرآن قال: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) (طه 66) ، ولم يقل تسعى على الحقيقة وإنما قال: «يخيل إليه» ؛ وقال أيضا: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) (الأعراف 116) . ومن السحرة فنانون في سحرهم، وفي القرآن صنفان: (ساحِرٌ كَذَّابٌ) (ص 4) ، و (ساحِرٍ عَلِيمٍ) (الأعراف 112) ، والأول: هو النصّاب، والثاني: هو هذا الفنان في سحره، وهناك ثالث: (إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ) (يونس 2) يعني