لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) (44) (طه) ، والآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما باللين، واللين هو القول الذي لا خشونة فيه؛ وإذا كان موسى قد أمر بالدعوة باللين، فمن دونه أحرى بأن يقتدوا به، كقوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (83) (البقرة) ، والحسن هو المعروف، والصدق، والطيّب من القول. والدعوة باللين من أصول السياسة، ومن مكارم الأخلاق، والقائم بالدعوة مهما يكن ليس بأفضل من موسى وهارون؛ والملحد، والعلمانى والليبرالى وأيّ من كان ليس بأخبث من فرعون.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الرجل في وقعة خيبر أصيب ولم يطق ألمه فانتحر: «لا يدخل الجنة إلا مؤمن» ، والله تعالى يقول: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (195) (البقرة) ، ويقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (29) (النساء) . ومعنى الحديث أن من يقتل نفسه ليس مؤمنا، فالإيمان والانتحار لا يلتقيان، وذلك أن الرجل استعجل الموت فقتل نفسه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم» ، وقال: «إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله: يوقفه لعمل صالح ثم يقبضه عليه» ، وقال: «لا تعجبوا لعمل عامل حتى تنظروا بم يختم له» ، يعني أن المرء قد يفسد على نفسه إيمانه بارتكاب حماقات تدرجه ضمن ناقصى الإيمان، والعبرة بخواتيم الأعمال، أي نهاياتها ونتائجها وليس بما تبدو ظاهريا في أول أمرها.
الأحاديث في هدم الكعبة ضمن ما يسمى «أحاديث آخر الزمان» ، تعارضها الآية: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا) (67) (العنكبوت) ، والآية: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا) (57) (القصص) ، ومن واقع التاريخ أنه تعالى حبس عن مكة الفيل، ولم يمكّن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن وقتها قبلة للمسلمين، فكيف يسلّط عليها من يخربها بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟ وفي الحديث: «يغزو جيش الكعبة فيخسف بهم» ، وربما يقال: إن الآيتين تحكيان عن وضع الحرم في أيام النبيّ صلى الله عليه وسلم، وليس في المستقبل، فأمّا في آخر الزمان، قرب قيام الساعة، فالمفروض فعلا أن تخرب الكعبة، وخرابها من علامات الساعة، ووقتها لا يبقى في الأرض أحد يقول الله الله، كما ثبت في صحيح مسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» ، وفي البخاري عن هدم الكعبة: