بينى وبينك وبين نسلك من بعدك مدى أجيالهم، عهد الدهر لأكون لك إلها، ولنسلك من بعدك، وأعطيك أرض غربتك، لك ولنسلك من بعدك، جميع أرض كنعان، ملكا مؤبّدا، وأكون لهم إلها» (6 - 8) ، وهذه البشارة وذلك الوعد كانا لإبراهيم ولم يكن له ولد إلا إسماعيل، وعلى ذلك يكذب كاتب التوراة عند ما يقول بعد ذلك: «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق» (التكوين 22/ 2) ، لأن ابنه، قد وصفه بأنه «الوحيد» ، ليس سوى إسماعيل، فلما كانت الرؤيا وأخذه إلى أرض مورية ليذبحه، وكان اختياره لمورية بالقرب من نابلس دليل على أن الذبيح إسماعيل ليبعد به عن أمه، وكان إسماعيل في سن يسمح له أن يفهم مطلب أبيه، وأما إسحاق فكان صغيرا جدا وبينه وبين إسماعيل 14 سنة! فكيف يفهم الذبح ويطيع أبوه وعمر إبراهيم وقت ولادته 100 سنة، فالأقرب إلى العقل إذن أن الذبيح هو إسماعيل!
قوله تعالى: (وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ(99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) (101) (الصافات) دليل على أن البشارة كانت لإبراهيم بأول ولد له، لأن الآية نزلت عنه في العراق عقب محاولة تحريقه، ولم يكن قد أنجب في العراق، وربما لم يكن قد تزوّج بعد. وفي التوراة أن سارة لم تزوّجه من هاجر إلا بعد الهجرة إلى فلسطين، ثم إلى مصر، ثم إلى فلسطين، ولم تكن قد أنجبت منه، وثبت أنها عاقر، وحتى دمار سدوم وعمورة لم يكن إبراهيم قد أنجب إسحاق، وكان ولده الوحيد هو إسماعيل، فالبشارة إذن في سورة الصافات كانت بإسماعيل، مع أن سورة الصافات نزلت بعد سورة هود التي كانت البشارة فيها بإسحاق، إلا أن السورتين تقصّان عن أحداث جرت بصرف النظر عن ارتباطها بتواريخ نزول السور. ومعنى بشّرناه بغلام حليم، أنه سيكون حليما عند ما يكبر ويبلغ مبلغ الرجال، وبذلك كان على إبراهيم أن يعلم أن الذبح كان مجرد رؤيا وليس عن حقيقة، لأنه إذا ذبح إسماعيل على الحقيقة فكيف سيعيش ويصبح رجلا حليما كما تقول البشارة؟ وفي سفر التكوين من كتب اليهود أن إبراهيم عند ما ولد إسماعيل كان عمره ستا وثمانين سنة، وعند ما ولد إسحاق كان عمره مائة سنة، يعني هناك حقبة زمنية مقدارها أربع عشرة سنة بين الاثنين، فهل انتظرت البشارة هذه المدة لكي تتحقق بإسحاق دون إسماعيل؟ إن المعقول أن البشارة تحققت بعد الهجرة وكانت بإسماعيل، وهو الغلام الحليم، ولم يوصف بذلك إلا لأنه صبر على محاولة ذبح أبيه له كما في الرؤيا.