شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (3) أي مبغضك هو الأبتر، والأبتر: منقطع الذرية، فلا أحد من صلبه بعد مماته يذكّر به، يتوهّم أبو لهب أنه بوفاة ابنه سيبتر النبيّ صلى الله عليه وسلم وينقطع ذكره، قيل فعوّضه الله تعالى وأعطاه الكوثر، أي الكثرة - وهي أمة الإسلام، تمتد من الصين إلى القارة الأمريكية، ومن أوروبا إلى إفريقيا، فهي كثرة كاثرة، كلما ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم، جلّوه، وعظّموه، وصلّوا عليه، وسلّموا تسليما، فهؤلاء هم بنوه حقا وصدقا، يذكرونه على رءوس الأشهاد، ويوجبون شرعه على كافة العباد، وبهم يظل اسمه خفّاقا كالعلم على دوام الآباد، وإلى يوم الحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد.
من أصرح الدلالات على عموم بعثة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق، هذه الآية: (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (158) (الأعراف) ، والآية: (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا) (1) (الفرقان) ، وفي الصحيحين ثبت أنه صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق، وطوائف بني آدم، من عرب وعجم، سواء كانوا من أهل الكتاب أو من الأميين، امتثالا لأمر الله تعالى، وقال: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار» ، وقال: «بعثت إلى الأحمر والأسود» ، وقال: «كان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» .
ينسب بعض المسلمين إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم صفات تخرجه عن البشرية، وهو القائل: «أنا بشر من بشر» ، ومن مزاعم أصحاب هذه الدعوى، تفسيرهم للآيات من سورة النجم: (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى(11) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) (14) . ومن هؤلاء ابن عباس قال: وقد رأى ربّه مرتين» أخرجه الترمذى، وقال: «إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين» !! ومن يقل ذلك فقد أغرب. والشيخ الشعراوى ذهب إلى ذلك. وعن عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم برواية مسروق: أنه دخل عليها وسألها: هل رأى محمد ربّه؟ فقالت: لقد تكلمت بشيء وقف له شعرى! قال: قلت: رويدا، ثم قرأت: (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) (18) (النجم) ، فقالت: أين يذهب بك؟! إنما هو جبريل!! من أخبرك