فهرس الكتاب
وسليمة من كل عيب، ولا خبرة لها بأمور الدنيا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أكثر أهل الجنة من البلة» وهم البله عن المعاصي، والأبله بهذا المعنى هو المطبوع على الخير، والغافل عن الشر، وغلبت عليه سلامة الصدر وحسن الظن بالناس.
755 -قصة إبراهيم مع النمرود الذي حاجّه في ربّه
هى القصة التي يوردها القرآن دون أن يذكر فيها أن طرفها الآخر اسمه النمرود، تقول: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (258) (البقرة) . واسم النمرود غير موجود في كتب اليهود الخمسة المسماة بالتوراة، وليس في التوراة قصة لإبراهيم مع النمرود. واسم النمرود إضافة على القصة القرآنية، مما أثبتته لها الإسرائيليات، وقالوا فيه إنه: النمرود بن كوش بن حام، مؤسس الأسرة الحاكمة في بابل وشنعار وأكاد (تكوين 10/ 8 - 10) وبانى البرج المشهور بها، وكان من الملوك الجبّارين (يعني الفراعنة) وادّعى الألوهية. والمستشرقون على القول بأن قصة النمرود وإبراهيم مأخوذة من الهجادا العبرية، أي المرويات اليهودية الشعبية الشفهية، وروّجها في كتب التفسير: الطبري، والثعالبى، والدميرى، وابن الأثير. وكان النمرود يختزن الطعام ويبيعه لقومه، فدخلوا عليه وسجدوا له إلا إبراهيم، فلمّا سأله: ما لك لا تسجد لي؟ قال: أنا لا أسجد إلا لربّى! فقال النمرود: ومن ربّك؟ قال إبراهيم: ربّى الذي يحيى ويميت. فأمر النمرود برجلين، وأمر بقتل أحدهما، وقال: ها أنا قد أحييت هذا وأمتّ هذا! فردّ عليه إبراهيم بحجّة الشمس، فبهت. وقيل: كان يمكن لإبراهيم أن يردّ عليه لمّا أحيا وأمات، بأنه لا يحيى من عدم بينما الله تعالى يحيى من عدم، ومع ذلك ما كان يمكن لإبراهيم أن يبرهن على صدق قضيته عمليا، لأن الإحياء والإماتة لهما حقيقة ومجاز، وإبراهيم قصد الحقيقة، في حين أن النمرود قصد المجاز، وموّه على قومه. ولولا أن إبراهيم أدرك أن خصمه سيحاجى بالباطل، لما ترك «مثل الموت» ليحل محله «مثل الشمس» . ولقد سلّم إبراهيم للنمرود جدلا، وضرب المثل الثاني بما لا مجاز فيه، وبما ليس بوسع النمرود أن يلعب فيه بالألفاظ. قيل هو «مثل الشمس» التي تأتي من المشرق، فليأت بها النمرود من المغرب لو استطاع، فأفحمه وألجمه وأبهته، لأن حجة الكافر انقطعت. وهذه القصة يستدل بها على ضرورة اللجوء في الدعوة إلى المحاجاة، والمناظرة، والمجادلة وإقامة الحجة،، من مثل قوله تعالى: (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ