إبليس فسق عن أمر ربّه كقوله تعالى: (إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (الكهف 50) ، أي تمرّد وعصى؛ كقوله: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) (البقرة 34) ، فأول عصيان من مخلوق لخالقه هو عصيان إبليس رفض أن يمتثل لأمره تعالى بالسجود لآدم، بدعوى أن آدم خلقه من تراب بينما إبليس خلقه من نار، فبزعم شرف النار على التراب تعلّل بأن لا يسجد، فأول من كفر هو إبليس، والسؤال هو: هل كان كفره عن عناد أم عن جهل؟ والجواب: لم يكن إبليس يصدر عن جهل وقت أن عصى، لأنه كان يعرف ويعلم، إلا أنه كان من «الجاهلين» ، بالمعنى الذي جاء في قصة عمر لمّا دخل عليه الأعرابى يسبّه ويقول: والله ما تعطينا الجزل يا ابن الخطاب، ولا تحكم بيننا بالعدل - والجزل هو الشيء الكثير. فغضب عمر، فانبرى أحد الجالسين يقول: يا أمير المؤمنين. إن الله قال لنبيّه: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (199) (الأعراف) ، وهذا من الجاهلين! - وبعد هذه الآية مباشرة يأتي قوله تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) (الأعراف 200) ، والتعوّذ بالله مما تثيره في النفس جهالة أحدهم كهذا الذي سبّ عمر. وكذلك كان إبليس من الجاهلين، وكان عصيانه نزغا من طبيعته النارية العنيفة، ونزغه كان هذا الحسد والكبر فيه، فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله. فإذا كانت خطيئة المرء في حسده وكبره فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية كآدم، فارجه. ولو قارنا خطيئة آدم بخطيئة إبليس، لتبيّن أن خطيئة آدم كانت معصية، بينما خطيئة إبليس كانت الحسد والكبر؛ وهما بطر للحقّ وغمط للناس، وبطر الحق: تسفيهه وإبطاله؛ وغمط الناس: هو الاحتقار لهم، والازدراء بهم، قال إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (12) (الأعراف) ، وقال: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) (61) (الإسراء) . وقال: (لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (33) (الحجر) ! فأول معصية في الوجود كانت الحسد والكبر، والاثنان وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يؤدى للآخر، وإبليس حسد آدم على ما فضّله به ربّه، وهذا هو المقصود في تعريف الكبر بغمط الناس، فلما حسده تكبّر عليه، وهذا هو بطر الحقّ، أي، تسفيهه وإبطاله، فالمتكبّر بتصرف وكأنه أحسن ممن يتكبّر عليه، فيزيده تصرّفه توهما بأنه الأحسن، وطالما أنه كذلك حقّ له أن يتكبّر، فكأنه وحده الموجود دون الآخر، فسلوك الكبر يلغى الآخر. وهكذا يكون الحسد يتسرّب إلى النفس ويؤدى إلى ارتكاب الذنوب، لأنه بداية المرض النفسي والإصابة بهذاءات العظمة، والاحتقار للآخر وتضخّم ذات المتكبر وأن يعلى من قدر نفسه، وتسلمه هذاءات العظمة إلى السلوك البارنى (من بارالويا أي جنون توهّم العظمة) ، فيكون ادعاء العظمة عن غير أساس وهو المسمى