الجوزى: زعم بعض المغفلين من ناقلى التفسير أن الإنذار منسوخ بآية السيف، وهذا تلاعب من هؤلاء بالقرآن. وقال: ومن أين يقع التنافي بين إنذارهم بالقيامة وقتالهم في الدنيا؟ ووعيد الله - كخبره - لا يتخلّف، فلا يقبل النسخ.
والآية: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (59) : قيل: نسختها الآية بعدها: (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا) (مريم 60) وهذا استثناء ولا يعتبر نسخا.
والآية: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) (71) : قيل: نسختها الآية بعدها: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا؟؟ وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) (72) ، قيل هي استثناء ولا تعتبر نسخا، وقال ابن الجوزى: هذا من أفحش الإقدام على الكلام في كتاب الله بالجهل، وهل بين الآيتين تناف؟ فالأولى تثبت أن الكل يردونها، والثانية تثبت أنه ينجو منهم من اتقى. ثم هما خبران، والأخبار لا تنسخ. وقيل: نسختها الآية: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) (101) (الأنبياء) ، وهذا ضعيف وليس موضع نسخ، لأنه من يبعد عنها فلن تمسّه النار. وفي الخبر: «تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن فقد تورك لهبى» .
الآية: (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (2) : قيل: إنها قيام الليل، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم وطائفة من المؤمنين يأتونه، كقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) (المزمل 20) ، فلما نزلت الآية: (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (2) قيل: إنها نسخت قيام الليل، والصحيح أنها لم تنسخه، وإنما خفّفته لكي لا يشتطّوا في العبادة، ولا ينهكوا أنفسهم فيها، فالإسلام دين الوسطية والحنيفية.
والآية: (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) (طه 130) : قيل: نسختها آية القتال؛ وقيل: ليست منسوخة، لأن الكفار لم تستأصلهم آية القتال، فلا يجدى معهم إلا الصبر.
الآية: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) (98) : قيل: إنها منسوخة بقوله بعدها: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) (101) ، وقيل: هذا استثناء وهو لا يصلح نسخا، والآية محكمة.