يجعلنا لا نعتقد أن «الذي مرّ على القرية الخاوية» هو عزير، فعزير اهتماماته مختلفة، وهذا اهتماماته دينية، وعزير لم يختف مدة مائة سنة. وقيل: «الذي مرّ على القرية الخاوية» كانت له أم، فلمّا عاد إليها كانت عجوزا، فأبلغها أنه عزير، فقالت: عزير كان يشفى المرضى، فاشف عينيّ! فوضع يده على عينيها فأبصرت وصدّقت، وذهبت تخبر الناس، وكان له ابن بلغ من العمر مائة وثمانية وعشرين عاما، فقال له إن أباه كانت له شامة في كتفه، فاطّلع عليها وصدّق أنه أبوه. والمهم في القصة ليس ما يرد عنها من الإسرائيليات، وإنما الدرس المستفاد المستخلص منها، فإنه بعد أن اتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة الله عنده قبل عيانه، قال: (أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (259) (البقرة) ، ولم يقلها إقرارا بما كان من قبل ينكره، بل هو قول منه دفع إليه الاعتبار، فلولا أنه اعتبر، ما كان قال ما قال، وقوله كقول إنسان مؤمن يرى شيئا غريبا من قدرة الله فلا يملك إلا أن يقول: لا إله إلا الله! أو ربما يعني: أجل، الآن أنا على يقين مما كنت أعلمه من قبل ظنا، فأخبر عن نفسه عند ما عاين من قدرة الله في إحياء الموتى، فتيقن ذلك عنده بالمشاهدة، فأقرّ بأنه يعلم أن الله على كل شيء قدير، وقصته كقصة الطير عند ما جعله إبراهيم أجزاء على قمم الجبال، ثم دعاهن، فإذا هي قد تحولت طيرا جاء إليه، والفرق بين قصة إبراهيم مع الطير وبين قصة «الذي مرّ على القرية الخاوية» : أن درس هذا كان لنفسه فقال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، بينما كان إبراهيم بعد أن عاين إحياء الموتى ما يزال يحتاج إلى التعليم، فقال له الله تعالى: «واعلم أن الله عزيز حكيم!!» .
هذه القصة في الشك في قدرة الله على الإحياء بعد الموت، ومشكلة الناس أيام النبوّات أنهم كانوا يشكّون في البعث، وإبراهيم لم يكن استثناء منهم، والقصة تصوّره شاكا ولكن شكّه ليس كشك الناس، فهو يعرف أن الله يبعث الموتى، وسؤاله عن الكيف - كيف يحيى الموتى؟ فأراد أن يعرف الطريقة ويعاينها مشاهدة. يقول تعالى: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (260) (البقرة) ، فالبعث شيء يقرّه إبراهيم، وسؤاله: ربّ أرنى كيف تحيى الموتى؟ مثل قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ فأنت تعرف بدأة ذي بدء أن زيدا علم، وأن الثوب نسج، وتسأل الآن عن كيفية نسجه، أو كيفية علمه. وفي هذه الآية فإن الكيف