والسورة إذن هي كما نزلت: ثلاث وسبعون آية لا غير، وصدق الله تعالى أن أنزل في أولها: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ) (1) (الأحزاب) . والخطاب كان للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن بعده للمسلمين كافة، فكأنه الردّ على من قالوا مثل تلك التقولات السابقة، فلا تسمعوا أيها المسلمون لمن يطعن في كتابكم بالنقص أو التحريف أو غير ذلك مما سنرد عليه في مكانه.
قالوا: كيف قال الله تعالى في هذه الآية: «عدو» ولم يقل «أعداء» ؟
والجواب: أن «بعضا» «وكلا» يخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى، كقوله تعالى: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا) (95) (مريم) وقوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) (87) (النمل) . وكذلك فإن عدوا يفرد في موضع الجمع، كقوله تعالى: (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) (50) (الكهف) ، وقوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ) (4) (المنافقون) ، بمعنى أعداء.
495 -إشكال الآية: (وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة 117)
قيل: في أي حال يقول له كن فيكون؟ أفى حال عدمه؟ أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه، استحال أن يأمر إلا مأمورا، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر. وإن كان في حال وجوده، فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث، لأنه موجود حادث؟
والجواب: الآية خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود، يعني أن هذا الأمر لشيء موجود على حال أو هيئة، ثم يأمر أن يوجد على حال آخر أو هيئة أخرى؛ أو أن هذا هو قضاؤه في الأشياء، فإذا أراد، فإرادته قضاء. وأيضا: فإنه تعالى يعلم بما هو كائن قبل كونه، فيأمر به أن يكون، فيكون بحسب ما يعلم، ويخرج الشيء من حال العدم إلى حال الوجود.
496 -الإشكال في الآية: ( «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) (90) » (آل عمران 90)
الإشكال أنه تعالى قال في هذه الآية «لن تقبل توبتهم» ، وقال في آيات أخرى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ) (25) (الشورى) ، فإذا كان المعنى لن