فهرس الكتاب

الصفحة 1278 من 2524

يتساءل: فمن بعد ذلك يمكن أن يكذّبك بالدين يا محمد، أو يا أيها الإنسان؟ يواسى النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عبر الأزمان ويسليهم، يقول: استيقن مع ما جاءك من الله، أنه تعالى أحكم الحاكمين، قضاء بالحق، وعدلا بين الخلق. ومع أن «ليس» للنفى، إلا أنها مع ألف الاستفهام: «أليس» ، يصبح المعنى بالإيجاب، يعني هو أحكم الحاكمين فعلا. وقيل: إن «فما يكذّبك بعد بالدّين» مجرد نفى لأن يستطيع أحد تكذيبه في القول بالبعث والحساب، وقيل: إن هذه الآية نسخت بآية السيف - هكذا أطلقوا عليها، وهي التي تقول (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (5) (التوبة) ، غير أن آية التكذيب لها معناها ومجالها، وآية القتال لها أيضا معناها ومجالها، ولا تنسخ إحداهما الأخرى.

وهى أيضا سورة «اقرأ» ، قيل آياتها الخمس الأولى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (5) ، وهي أول ما نزل من القرآن في مكة على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأول أمر إلهي يصدر للنبيّ صلى الله عليه وسلم، بأن يذكر التسمية في ابتداء كل سورة؛ وأول علم لدنيّ يتعلّمه من السماء؛ وأول إعلان عالمي يصدر إلى بني البشر يأمر يمحو أمّيتهم، ويأمر بأن يتعلموا المسلم القراءة والكتابة؛ وأول بلاغ يدحض كذب المدّعين من اليهود والنصارى بأن الإنسان لا يعدو أن يكون حيوانا كقول أرسطو مثلا أو دارون. ولقد رفض إبليس أن يطيع أمر الله بأن يسجد لآدم، لبديع صنعه تعالى فيه، بدعوى أن آدم من تراب، والتراب أخسّ العناصر، فيكون آدم وبنوه أخسّ المخلوقات! والسورة تردّ على إبليس صاحب هذه الدعوى وعلى العلماء من حزبه، وهي أول بلاغ علمي بأن الإنسان مخلوق من حيوان منوى (علقة) ، وما كان الناس أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم (القرن السادس الميلادى) يعرفون هذه الحقيقة، وما كانوا يبصرونها أصلا، وما علموا بها إلا بعد اختراع الميكروسكوب في القرن التاسع عشر، وهذا الإعلان الذي تضمنته السورة هو أول إعجاز علمي يطرحه القرآن، وكأنه يعلن على البشرية أن الكتب السماوية قبله كانت أساطير بسبب تحريفها، وأن هذا الكتاب، أي القرآن، ابتداء من هذه السورة، سيكون كتابا للعلوم لسائر العصور، ولكل الأزمان. وهذه الآيات الخمس الأولى تؤسّس لعلم الحضارة، وتقيمه على القراءة والكتابة والعلوم، وبهذه النعم الثلاث يكون الله تعالى بكرمه وإحسانه، قد أكرم الإنسان كل الكرم، وأخرجه من حالة الخسّة إل حالة الرفعة، وهو ما حسده عليه إبليس، وهذه الرفعة في الإنسان هي ما استوجب أن تسجد له

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت