فهرس الكتاب

الصفحة 1709 من 2524

على قدر الجسد. وجاء الهدهد بالعذر ولكنه مع ذلك مكث غير بعيد عن سليمان، وقال له: (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) (22) (النمل) ، وقوله ردّ على من يقول إن الأنبياء يعلمون الغيب، ولا يعتدّ بأنه مقالة طير، فمنطق الهدهد كان منطق الحال. ثم أفضى لسليمان بما أحاط به من أمر المرأة التي تملك شعبها، وقد أوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم، وأنها وشعبها يسجدون للشمس. والقصة رمزية، لأن الهدهد تعجّب من تعبّدهم لغير الله، واستعظم أن يسجدوا لغيره، وهو الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما يعلنون وما يخفون. ولم يسارع سليمان بتصديقه ولا تكذيبه وإنما قال: (سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) (27) (النمل) ، وهو دليل على أن الحاكم والقاضي لا يجب عليهما أن يقبلا عذر الناس ويدرءا العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم. وكتب سليمان كتابا، وأمره أن يحمله الهدهد إلى قوم هذه المرأة، فيلقيه إليهم - وهم أهل هذا الدين الآبق الذين يعبدون الشمس، وأبدى الغيرة على دينه، وبنى الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع، وهكذا حمل الهدهد الكتاب إلى أن ألقاه على الملكة، وتناولته فراعها، ونظرت من أحضره فرأت الهدهد، فتولى عنها حين أبصرته كما أمره سليمان، وظل مع ذلك قريبا ليرى مراجعتهم للكتاب. ونفهم أن الداعية إلى الله له أن يستخدم كل الطرق لإبلاغ الدعوة، وأن له أن يرسل الكتب إلى الأعداء، كما أرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر. وقول الهدهد: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) (23) (النمل) عبارة موجزة جمعت كل أخبار يمكن أن يجمعها جاسوس عن بلد عدوه: أحواله في السياسة والحكم، وفي المال والاقتصاد، وفي الفنون والعلوم، والآية تنبئ أن هذه المملكة راسخة الملك، عظيمة الشأن، وطيدة الأركان. وهنا ينتهى دور الهدهد، ولا ينتهى دور المواعظ في هذه القصة الرائعة: قصة الهدهد وسليمان. (انظر أيضا قصة ملكة سبأ مع سليمان، وقصة النملة مع سليمان)

كلام المستشرقين في هذه القصة كثير، ويفترضون أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد اقتبسها من المدراش اليهودي، وأنه كان يقرأ العبرية والسريانية، وأنه في كتابيّ إينوخ وباروخ شيء من تلك القصة في سقوط الملائكة، ولم أجد في أي من هذه الكتب شيئا من هذا الذي ادّعاه فينسنك. واسم هاروت: قيل من هرت، أي تكلم بالقبيح ولم يحفظ سرا وأكثر من الكلام؛ وماروت: من مرت، فهو المضطرب الأحوال، المشتّت الذهن، الممزّق النفس. وأن يأتي الاسمان على نسق واحد، منه في القرآن: طالوت وجالوت، ويأجوج ومأجوج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت