فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 2524

القرآن يخالف بعضه بعضا. وعند البخاري بطريق جندب بن عبد الله، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه» .

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التمادى في الاختلاف، لما يمكن أن يجرّه من الشر، كما في قوله تعالى (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (101) (المائدة) ، والمسلمون مطالبون على ذلك بأن يقرءوا ويلزموا الائتلاف، في الأداء وفي المعنى، فإذا وقع الاختلاف، أو عرض عارض شبهة يقتضى المنازعة الداعية إلى الافتراق، يتركون القراءة، ويتمسكون بالمحكم الموجب للألفة، ويعرضون عن المتشابه المؤدى إلى الفرقة، كقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فاحذروهم» . وعند البخاري عن ابن مسعود أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ خلافها، قال: فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «كلاكما محسن، فاقرءا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم» .

والمختلفون إذن ينبغي أن يتفرقوا إخوانا، ويستمر كل منهم مع ذلك على قراءته.

والاختلاف عن حق فيه خير، وهو سعة للمسلمين. والأولى أن نحذر الفرقة لاختلاف الرأي، وأن نلزم الجماعة والألفة، وأن نتوسل بالنظر، وندقق في الآية المختلف بشأنها، ونتجنب اللجاج في التأويل وحمل القرآن على الرأي.

في الحديث: «أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف كاف» ، وأنه صلى الله عليه وسلم لما أقرأه جبريل القرآن، اقرأه على حروف، فظل يستزيده تيسيرا على الأمة، حتى انتهى إلى سبعة أحرف. ولقد أرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أمة أمّية، فيهم الرجل، والمرأة، والجارية، والشيخ الفانى الذي لم يقرأ كتابا، والعجوز الكبيرة، والغلام، وما كانوا يطيقون ذلك لو قرءوا القرآن على أقل من سبعة أحرف، والمقصود أن الأمّة بينها اختلاف في اللهجات والأصوات، وطريقة الكلام، وشهرة نطق بعض الألفاظ والتراكيب، فلو أن القرآن قرئ بطريقة واحدة ونطق واحد، لشقّ ذلك على الناس. وكانت الديانات قبل الإسلام تقرأ بحرف واحد، لأن من نزلت عليهم كانوا أقواما مخصوصين، وأما أمة الإسلام ففيهم العرب والعجم، فلو كلّف الجميع أن يعدلوا عن لهجاتهم، لكان في ذلك تكليفهم بأكثر مما في استطاعتهم، فتنوعت لذلك القراءات، وتنوّعها كان ضربا من البلاغة، وذلك لأن القراءات على كثرتها لم تؤد إلى تناقض في المقروء، ولا إلى تهافت في المعنى، ولكنها صارت تصدّق بعضها بعضا، وتبيّن بعضها بعضا، وتشهد لبعضها البعض، ودلّ ذلك أنه مهما تنوعت القراءات فإن الإعجاز واحد على كل حرف ووجه ولسان، وأيّما حرف قرءوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت