وهو الحق، أي الموجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول، وهو الحيّ الذي يحيى ويميت. ولقد كانت للعالم بداية وحتما ستكون له نهاية، وهي التي تحين مع الساعة، والساعة آتية لا ريب فيها، ومعها يكون الإحياء الثاني، والبعث من القبور، ولا جدال في ذلك.
كذب من قال: أن الخالق البارئ المصور في الآية: (هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ) (24) (الحشر) ألفاظ ثلاثة مترادفة، والصحيح أنها ألفاظ متباينة، وأسماء موضوعية، فكل اسم له معنى، فالخالق: من الخلق وأصله التقدير، ويطلق على الإبداع، وهو إيجاد الشيء على غير مثال، كقوله: (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (التغابن 3) ؛ وعلى التكوين كقوله: (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) (2) (العلق) ؛ والبارئ: من البرء، وأصله خلوص الشيء عن غيره، فنقول برأ فلان من مرضه أو من دينه. والبارئ: البرئ من التفاوت والتنافر وهما اللذان يخلّان بالنظام؛ والمصوّر: مبدع الصور للمخترعات، ومرتّبها بحسب مقتضى الحكمة؛ والمعنى إذن أنه تعالى الخالق لكل شئ: بمعنى أنه موجود من الأصل ومن غير أصل، وأنه القادر والعالم، ومن ثم خلق الخلق والموجودات؛ وهو البارئ لهذا الكون بما حوى واشتمل: بحسب ما اقتضته الحكمة من غير تفاوت ولا اختلال؛ وهو مصوّره: في صور تترتب عليها خواصه ويتم بها كماله. وقيل: الخالق: معناه الذي جعل المبدعات أصنافا، وجعل لكل صنف منها قدرا؛ والبارئ: معناه الموجد لما كان في معلومه؛ والمصوّر: هو المهيئ للأشياء على ما أراده من تشابه وتخالف.
قيل ذلك في تفسير الآية: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) (8) (التوبة) ، والآية: (لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (10) (التوبة) ، وهو تفسير من الإسرائيليات، وروّجه المفسّرون الذين تلقوا على اليهود، قالوا: الإلّ اسم عبرى من أسماء الله، والصحيح أن الإل هو العهد والجوار والقرابة. والإل بالكسر، وأما الأل بالفتح فهو من الأليل وهو البريق، يقال: ألّ يؤلّ ألّا، أي صفا ولمع؛ أو أنه الحدّة فيقال للحربة الآلة، ومنه أذن مؤلّله أي محدّدة. وقد يسمى العهد ألّا بالفتح لصفاء ظهوره.