فهرس الكتاب

الصفحة 1177 من 2524

ومن صور البيان في هذه السورة العظيمة: الطباق كما في قوله: «أعلنت لهم وأسررت» ، و «جهارا وإسرارا» ، و «ليلا ونهارا» ، و «يعيدكم ويخرجكم» ؛ والمجاز في مثل قوله: (جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) ؛ والاستعارة في مثل قوله: (أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا) ؛ وذكر المصدر للتأكيد: (وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا) و (أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا) ، وهو إطناب أيضا، ومن باب الإطناب: ذكر الخاص بعد العام، كما في قوله: (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) ، وعكسه ذكر العام بعد الخاص، كما في قوله: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) . ومن صور البيان أيضا السجع المرصّع لرءوس الآيات كما في قوله: ( «مِدْرارًا) ، و (أَنْهارًا) ، و (وَقارًا) ، و (أَطْوارًا» ) . وقيل: إن الآية: (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا) فيها الدليل على عذاب القبر، فبرغم أنه لم يرد به نصّ صريح في القرآن، إلا أنه مصرح به في هذه الآية في قوله: (فَأُدْخِلُوا نارًا) ، فلمّا كانت القيامة لم تقم، وعذاب الآخرة لم يحن، فإن إدخالهم النار لا يعني إلا عذاب القبر، وينفى هذا الرأي أن عذاب القبر وقتى، وإدخالهم النار أبدى، ولا يكون إلا في الآخرة، وقيل: قد يجوز الإدخال إلى النار في الدنيا كما في الآية عن قوم فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا) (غافر 46) ، غير أن هذا العذاب لقوم فرعون ليس عذاب قبر، وإنما هو عذاب أكبر وأشمل وأطول، ولذا فهو عذاب آخرة. ومع ذلك فتفسير الآية بخلاف كل ذلك، ولا يعني إلا أن قوم نوح عذّبوا بالنار مع الغرق، فالمطر الشديد الذي أغرقهم كان معه برق ورعد تندلع بهما الحرائق، ويشتعل الماء، كما في قوله تعالى: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) (6) (الطور) ، أي الذي يوقد ماؤه وذلك يكون يوم القيامة، كقوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) (6) (التكوير) أي أضرمت فتصير نارا تتأجج وتحيط بأهل الموقف، فبمثل ذلك كان عذاب قوم نوح بالنقيضين: الماء والنار، والله أعلم، وهو على كل شيء قدير وهو سبحانه الموفّق للصواب.

السورة مكّية، وترتيبها في المصحف الثانية والسبعون، وبحسب النزول هي الأربعون بعد الأعراف، وككل السور المكية فإن سورة الجن تتناول مسائل من العقيدة، وتروى حكاية عن الجن استمعوا للقرآن يتلوه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فعجبوا له، وما فيه من حكمة، وما اتّسم به من نظم وحبكة. وكان سبب إنصاتهم للقرآن أنهم قبل ذلك كانوا يتنصّتون على السماء، يخطفون ما يصادف سمعهم من أنبائها فيزيدون عليه، ويروونه للناس كحقائق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت