والمال والعيال لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما. ومع ذلك فإن هناك تشابها، ففي الآية أن الزوجة والولد إذا فعلا فعل العدو فإنهما يصبحان عدوا، ولا فعل أقبح من أن يحولا بين العبد وبين الطاعة، غير أن كلام ميخا أبعد من أن يكون تحذيرا، فهو يتكلم عن عداوة مطلقة تكون بين المرء وأهل بيته، بينما عداوة أهل البيت للمسلم هي أنهم قد يعرقلون إقباله على الله، وشتّان بين المعنيين والفلسفتين والنظرتين للحياة والناس. وميخا أكثر تشاؤما من شوبنهاور، وأبو العلاء أكثر تشاؤما منهما معا، وعبارة القرآن ليست مذهبا في العيش، ولا هي إيديولوجية حياة، ولكنها عبارة مرسلة تحذّر من طاعة الأهل عن طاعة الله، ومثلها قوله تعالى: (وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) (8) (العنكبوت) ، والعبارتان من الأمثال التي يستشهد بها في الكلام.
(أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (22) : هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، أو للسويّ وغير السّوى، أو للخيّر والشرّير، والأول مثله فيما هو فيه كمثل البصير يمشى سويا مرفوع الهامة ومنتصب القامة، وصراطه مستقيم، وطريقه بيّن واضح ينظر ما بين يديه، وعن يمينه وعن شماله، فيأمن على نفسه أن يتخبّط أو يتعثّر أو ينكبّ، وأما الثاني، فمثله كمثل الأعمى الذي يمشى على غير هدى، ولا يدري أين يسلك، ولا كيف يذهب، فهو حيران ضال، لا يأمن على نفسه العثار، وقد ينكبّ على وجهه، فيحذر ولا يسير مستقيما، ويحنى ظهره، ويميل إلى الأمام، لعله يتلمس ما قد يعترضه، فذلك مثلهما في الحياة الدنيا والآخرة، وقال ابن عباس: فأحدهما يسلك طريق الضلالة ولا يهتدى فيتعسف، ولا يزال ينكب على وجهه، فهو كالأعمى، والآخر كالسويّ صحيح البصر، يمشى على الطريق يهديه بصره. وقيل: إنه مثل للمكبّ على المعاصي في الدنيا، فيحشر يوم القيامة على وجهه. فهذا مثل أبى جهل؛ والذي يمشى سويّا مثله مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل مثل أبي بكر، وقيل حمزة، وقيل عمّار بن ياسر، والصحيح: أنه مثل عام لمن يدري ولمن لا يدري أهو على الحق أم على الباطل؟
(يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ) (27) : قول بليغ يستشهد به إذا ادلهمت الأمور وساءت الأحوال، وحاق بالمرء العذاب - سواء النفسي أو البدنى، وعندئذ قد يتمنّى الموت. والمثل