فهرس الكتاب
الباب العاشر
النّسخ في القرآن
يروّج المستشرقون والمبشّرون الأكاذيب حول النسخ، بدعوى أن المسلمين مختلفون إزاءه، فإذا كانت آيات القرآن يمكن أن ينسخ بعضها بعضا، وأن تنسخ السنّة القرآن، فأي شيء يمكن أن يبقى بعد ذلك في الإسلام؟ وهل تكون للقرآن مصداقية بعد ذلك إذا كان من الممكن أن يراجع الله نفسه في حكم من الأحكام قضى به في آية، فيحلله في أخرى؟ أو يقضى به الله في آية فيحرّمه النبيّ في حديث؟
وفي القرآن يقول الله تعالى: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) (البقرة 106) ، وأصل النسخ من نسخ الكتاب أي نقله من نسخة إلى أخرى، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله إلى عبارة أخرى، ولا ينصرف المعنى إلى محو الحكم بالكلية. وفي قوله تعالى: (نُنْسِها) ادّعوا أن الله تعالى كان ينسى نبيّه صلى الله عليه وسلم ما يشاء، وينسخ ما يشاء. ومن ذلك قول المتقوّل: إن نبيّكم صلى الله عليه وسلم قرأ قرآنا ثم نسيه! وعن ابن عباس قال: كان مما ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار!!
والذي أتاح مثل هذا التقوّل والتخرّص هم المدّعون، وللأسف الشديد فإن أغلبهم من المسلمين، والنسخ معقول مع ذلك، فالله تعالى قد يورد حكما في وقت من الأوقات لمصلحة للمسلمين، ومصالح العباد تتجدد مع الأزمان، وتختلف باختلاف الأحوال، وقد ينسخ الله تعالى الحكم الأوّل ويأتي بحكم جديد فيه مصلحة جديدة، ولا يمكن الطعن في هذه الحالة بأن نسخ الحكم الأول لصالح الحكم الثاني إنما كان لحكمة لم تظهر لله تعالى إلا متأخرة، وأنها كانت خافية عليه، وأن علمه تعالى بالأشياء هو إذن علم مؤقت، فالله تعالى أدرى بعباده وبما يصلحهم، وهو يقضى بما يكون مؤقتا لصالح الناس، لينسخه من بعد بما هو أصلح لهم، والنسخ على ذلك لا يمكن أن يكون أصوليا بل في الفروع، والنسخ في آية النسخ يفيد حصول نوع خاص من النسخ دون غيره، وهناك فروق بين النسخ والتخصيص، فيحتمل أن ما نظنه نسخا هو تخصيص وليس نسخا، والنسخ كما قلنا هو «تحويل الحكم أو رفعه» ، بينما التخصيص هو «قصر العام على قضايا خاصة» . والنسخ لا يتناول العقائد وإنما فروع العبادات والمعاملات.
ومما يقال إنه نسخ من القرآن حكما وتلاوة، ما روته السيدة عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن «عشر رضعات معلومات يحرمن» ، ثم نسخن «بخمس رضعات معلومات» ،