فهرس الكتاب

الصفحة 1206 من 2524

والسورة تحفل بالجماليات من اللغة والمصطلحات، من أمثال: «نطفة أمشاج» ، و «مزاج الكافور» ، و «عين السلسبيل» ، و «السندس الأخضر» ، و «الإستبرق» ، و «اليوم القمطرير» . ومن التشبيه: (حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) وليس - ولا يكون - في التشبيه أحسن من ذلك، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. وفي السورة الكثير من وجوه البيان والبديع، كالطباق في: «شاكرا وكفورا» ، و «بكرة وأصيلا» ، و «شمسا وزمهريرا» ، و «يحبون ويذرون» ؛ والمجاز في: «يوما عبوسا» ، و «فوقاهم ولقاهم» ، و «يطعمون الطعام» ؛ والسجع المرصّع في «منثورا، وطهورا، ومشكورا، وكفورا» . نسأل الله الهداية، وأن يكون فهم القرآن غاية علمنا ومنتهى أملنا، ولله الحمد والمنّة.

السورة مكية نزلت بعد الهمزة، وترتيبها في المصحف السابعة والسبعون، وفي التنزيل الثالثة والثلاثون، واسمها «المرسلات» من قوله تعالى: (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا) (1) يقصد بالمرسلات الرياح تتتابع ويقفو بعضها إثر بعض، فوصفها بأنها «عرف» تمسك بأعراف بعضها البعض، والبعض قالوا: المرسلات هي الملائكة، بل إن الآيات الخمس الأولى كلها محمولة على الملائكة. والبعض قال: بعضها على الملائكة والبعض على الرياح، والأظهر أن المرسلات هي الرياح، ولذلك عطف عليها بالعاصفات وهي الرياح أيضا، وأما الناشرات: فالأظهر أنها الملائكة، ولذا عطف عليها بالفارقات فرقا والملقيات ذكرا، فجعل عطف المتجانسين بالفاء، فقال: «المرسلات فالعاصفات» ، وعطف المتخالفين في الجنس بالواو، فقال «والناشرات» . وأقسم بالملائكة وبالرياح جميعا، والملائكة غيب، فقرّب الغيب بالواقع الحى وهي الرياح، ووصف كلا بوظيفة متشابهة، فالرياح قد تكون رخاء وقد تكون عاصفة، وكذلك الملائكة هي عذر أو نذر. وهذه المقابلات تحفل بأمثالها السورة، وتكثر بها الصور والمشاهد الجمالية، والعبارات البلاغية، وكلها بهدف التدليل على قدرته تعالى، ومن ثم وحدانيته، وتخيير الناس بين التصديق والإنكار، والإيمان والكفر. وفي قوله: «عرفا، وعصفا، ونشرا، وفرقا» محسنات لفظية تزيد الأسلوب جمالا. وكان قسمه تعالى بخمسة أشياء: بالمرسلات، والعاصفات - وكلتاهما رياح، والناشرات، والفارقات، والملقيات ذكرا وهي الملائكة. وجواب القسم: (إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ) (7) ، ووقوعه يوم القيامة، ويصفه أروع وصف وأبلغه، ففيه تنطمس النجوم، وتشق السماء، وتنسف الجبال. وهو يوم الفصل الذي كان مؤجلا ووقّت للرسل ليشهدوا أمام الديّان على أممهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت