الذكر والأنثى - بمثابة النفس الواحدة، وهو تعالى خلق النفس الواحدة ويشقّها إلى اثنين، فجعل الأول زوجها، والأصل الذكورة ومنها الأنوثة، وسكينة الذكورة بالأنوثة، والسكينة تصنع المحبة، فإذا كانت المحبة كانت التغشية، فيكون الحمل الخفيف، وتمر به الأنثى، ثم يثقل، فيدعوان الله أن يكون طفلهما سويا، فإذا خرج كذلك كان الأولى أن يشكرا الله، ولكنهما أشركا في طفلهما غير الله، بتعليم مناف لتعليم الله. وعند الإمام أحمد عن الحسن عن سمرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لما ولدت حواء طاف بها - إبليس وكان لا يعيش لها ولد - فقال: سميّه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمّته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» ، فنسب الحديث إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأورده الإمام أحمد طالما أن إسناده إلى الحسن. والحديث من الإسرائيليات، وهو موقوف على صاحبه سمرة، فرفعه الإمام أحمد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. والحديث يطعن في آدم وحواء مع أن الآية لا تقول ذلك، والمقصود بها أن الناس عموما صار هذا دأبهم: أن يشركوا بالله برغم ما يأتيهم من النّعم. وقال ابن كثير عن مثل ذلك الحديث: هذه الآثار يظهر عليها أنها من آثار أهل الكتاب!!
وهذه الإسرائيليات أو هذا الانتحال، والتفسير بمنهج الإسرائيليات، انتشر حتى عمّ وطمّ، ولمسناه في كتب التاريخ وفي السّير، وتساهل الأخباريون والمؤرّخون فيما تناقلوه من روايات إسرائيلية مكذوبة، حتى أن الإمام أحمد علّق على ذلك فقال: «ثلاثة كتب ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازي - يقصد أن مصادرها غير مدقّقة، وخاصّة فيما قيل من أحاديث وتفاسير عن بدء الخلق، وأسرار الوجود، وأحوال الأمم السابقة، والملاحم، والفتن المنتظرة. وما أكثر الأحاديث حول الجنة والنار، والساعة، والدجّال، وآخر الزمان، ونهاية الإسلام، وكلها من تأليف أهل الكتاب أو بوحيهم، ومن ذلك أيضا قصة زينب بنت جحش، وحديث الغرانيق، واستدانة الرسول صلى الله عليه وسلم من اليهودي، وبشارة اليهودي بمولده، ورؤية اليهودي لقدومه إلى المدينة، وقصة السحر له، وقصة وضع السمّ له، وقصة زواجه من صفية ودخوله بها. فيا أخي احذر الإسرائيليات، ولتكن لديك حاسة سادسة خاصة بها، تعرفها بها بحسّك المسلم وإيمانك الموحّد، وأعانك الله!
المروّجون للإسرائيليات من اليهود: عبد الله بن سلام، ووهب بن منبه، وكعب الأحبار، والأخيران من التابعين، والتابعون الذين رووا الإسرائيليات كثيرون وكانوا تلاميذ لهؤلاء، منهم: قتادة، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والضحّاك، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم وعطاء، وطاوس، وغيرهم، وكعب الأحبار هو رئيس المدلّسين، وخفى كذبه على كثير من المحدّثين وأخذوا عنه، ووهب بن منبه كان دعيا كاذبا وليس من شيء يقوله بصادق أبدا.