حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) (النساء) ، فهذه عشر مخالفات وبعضها جرائم صريحة. ثم في قوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) (المائدة 23) ، فهذه أربع مخالفات أخرى، وكلها فعال وخصال نشهدها اليوم بشكل جلى في فلسطين، فلا هم يحترمون مواثيق، ولا هم يحافظون على العهود، وتمتلئ صدورهم بالغل، وتملأ القسوة قلوبهم، وتشهد على ذلك كتبهم وأنبياؤهم، وشهدوا على أنفسهم بالتحريف والتلفيق، ولم يراعوا لله عهدا، ولا تزال تطلّع على غدرهم ومكرهم وخيانتهم، فلكل ذلك لعنهم الله وأبعدهم عن رحمته.
يذكر القرآن قتل اليهود للأنبياء في ثلاث سور، هي البقرة، وآل عمران، والنساء، وفي ثمانية مواضع، كقوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِ) (البقرة 61) ، وقوله: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة 91) ، وفي الآيتين يكذّبهما الله تعالى في حيثيات قتلهم للأنبياء، فالنبيّ لا يفعل ما يستوجب قتله، وإن قتل فقتله عن ظلم، وهذا هو معنى «بغير الحق» ، ولا يتفق أن يقتل مؤمن نبيا، فكيف يؤمن إذن إن قتل نبيّه؟ وبما ذا آمن؟ وكيف آمن؟ وأية رسالة آمن بها؟ ومن بلّغه بها؟ وفي تاريخ اليهود كما يأتي في كتب العهد القديم أنهم قتلوا النبيين والصالحين أيضا، كقوله: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) (آل عمران 21) ، وكانوا إذا قتلوا النبيين، قام أتباعهم يأمرون بالعدل بين الناس، ويدعون أن يقوم المجتمع على القسط، فيقتلونهم أيضا، وقد قتل إيليا في يوم واحد أربعمائة وخمسين من الأنبياء دفعة واحدة بدعوى أنهم أنبياء زائفون ويدعون للبعل! (الملوك الثاني 18/ 40) ، وجاء في سفر الملوك الثالث أن إيليا أتمّ ذبحهم بالسيف فوق نهر جار، وغير إيليا كثيرون، وقد اتهمهم بطرس فقال لهم: أسلمتم المسيح وأنكرتموه وقتلتموه وعلّقتموه على خشبة؛ ورجموا بولس (14/ 18) ، وتحالفوا لقتله وكانوا أكثر من أربعين يهوديا (23/ 13) . وفي رسالة بولس إلى أهل رومية قال إنهم قتلوا أنبياءهم (11/ 3) ، إلى آخر ذلك، ومنه كثير في كتب النصارى.
في الآية: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ