والحرب قد تفرض على المسلمين، وبخاصة من اليهود والنصارى، فإذا ابتلوا بها، فليخرجوا جميعا إلى الجهاد سرية بعد سرية، أو مجتمعين، والمنافقون دائما يتخلفون، ويحمدون حظّهم أن تخلّفوا إذا ظهر أن المسلمين مغلوبون، فلو انتصروا ندموا أن لم يكونوا معهم. والبعض قد يتخلّف عن القتال خشية الناس، والموت واحد، وإذا حان الأجل لا فرار ولا منجاة، والموت يلحق الناس ولو تحصّنوا منه في البروج، وكل مسلم إذن عليه أن يقاتل ولو وحده، وعليه أن يحرّض المؤمنين على القتال، عسى أن يكفّ القتال بأس الذين كفروا.
وبعد، فهذه خلاصة للسورة، وما أشبه البارحة باليوم، وما يزال اليهود والنصارى يكيدون للإسلام، فعلى المسلمين أن يكونوا مستنفرين دوما، «فالحرب الدائمة» تبدو من قضاء الله وقدره فيهم. والحمد لله ربّ العالمين.
السورة مدنية بالإجماع، ومن السور الطويلة، وروى أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية، ومنها ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما نزل عام الفتح، وهو قوله تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (2) ، وكان نزولها بعد سورة الفتح، وآياتها مائة آية وعشرون، وترتيبها في المصحف الخامسة، وفي التنزيل المدنى هي السادسة والعشرون، وفي مجمل التنزيل هي الثانية عشر بعد المائة، وسميت «سورة المائدة» لما تضمنته من قصة المائدة التي طلبها الحواريون من عيسى، قالوا: (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (112) ، وقالوا (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ) (113) ، فدعا عيسى ربّه، قال: (اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (114) ، فلما كانت هذه القصة من أعجب ما ذكر في سورة المائدة، سميت السورة بها، وقال تعالى: (مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ) (115) ، قيل: إن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: اليهود بقوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (85) (البقرة) ، وآل فرعون بقوله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (46) (غافر 46) ، والكفرة من أصحاب المائدة.
وقيل في سورة المائدة: أنها تتضمن تسع عشرة فريضة ليست في غيرها، فقد جاء