والأرض والجبال لأبين أن يحملنها، والإنسان قبل ذلك، لأنه لم يحسب حسابها، فظلم نفسه لجهله بها، واختتمت السورة بتوعّد المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، وببشارة المؤمنين والمؤمنات. فهذه جملة ما في هذه السورة العظيمة من أخبار وروايات وآداب ومواعظ وحكم وتشريعات، والحمد لله ربّ العالمين.
سورة مكيّة، وقيل إلا الآية: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (6) فإنها مدنية، والذين قالوا بذلك ساقوا الآية على معنى أن من أوتوا العلم هم أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وغيره، وهؤلاء كانوا من أهل المدينة، ومن قال ذلك لم يعتبر أنه كان بمكة من أوتى العلم، وهذا تجنّ وحطّ من قدر العرب، فكأن العلم كان وقفا على اليهود بالمدينة لا غير؟! وفي رأينا أن الذين أوتوا العلم هم المؤمنون أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكانوا بمكة، فمن يعلم حقّ العلم يؤدى به علمه إلى أن يؤمن، ومن يكفر هو الذي لا علم له على الحقيقة، والآية إذن مكية كالسورة كلها، ومن بعد هؤلاء المؤمنين أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان العلماء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كل مكان وزمان. والسورة نزلت بعد سورة لقمان، وترتيبها في المصحف الرابعة والثلاثون، وفي التنزيل هي الثامنة والخمسون، وآياتها أربع وخمسون، وموضوعها: الدفاع عن القرآن، والتعريف بالله تعالى، وبالساعة، والبعث، وتحفل بالبراهين على حقيقته، وترد على المنكرين الردود المفحمة، وتضرب الأمثال بقصص الأنبياء من الماضى كداود وسليمان، وتعدّد أفضال الله عليهما، فلما ذكرت سليمان استدعى اسمه قصته مع سبأ، وأوردت السورة أطرافا مما جرى لأهلها لمّا كانوا على الإيمان، فكانت بلادهم جنّة، فلما كفروا بأنعم الله دمّر لهم سدّهم، وجرف السيل العرم البيوت، وأغرق الغيطان. وتناولت السورة شبهات المشركين حول رسالة النبوّة، وختمت بدعوتهم إلى الإيمان بالله الذي بيده أمور الخلق أجمعين.
وتبدأ السورة أول ما تبدأ بالحمد لله، والحمد هو الثناء الشامل كله لله، لأن كل النّعم منه، وهو تعالى المحمود دوما في الآخرة والأولى، وهو يعلم ما يجري في السماء والأرض، ويعلم الساعة، وكان أبو سفيان يقول لكفّار مكة: واللات والعزّى لا تأتينا الساعة أبدا ولا نبعث! فقال له تعالى مخاطبا النبيّ صلى الله عليه وسلم: (بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) (3) ، وأمثال أبى سفيان هم الذين تخاطبهم السورة باسم المعاجزين، يعني يسعون في آيات الله،