فهرس الكتاب

الصفحة 1795 من 2524

أن بني إسرائيل كما قيل، كانوا يومئذ من أعلم الناس بالطب والتطبيب، والناس دونهم، فأنزل الله عن عيسى: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ(59) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) (60) (الزخرف) فأكدت الآية أن عيسى رغم أنه معجزة ويصنع المعجزات، إلا أنه عبد من عباد الله، فلا يفتتن الناس به إذا أحيا ميتا أو أبرأ مريضا، ونبّه إلى أن مواهبه نعم منه تعالى أفرده بها كمعجزات له ليؤمن الناس به ويصدّقوه، فجعله مثلا لبني إسرائيل، فليس بعيدا على الله أن يجعل منهم ملائكة كما جعل من عيسى ما كان عليه، وإذن لأسكنهم - أي الملائكة - الأرض بدلا من السماء، وكانوا خلفا لهم - أي لهؤلاء النصارى، فلماذا إذن عبدوا عيسى وألّهوه مع أنه مجرد مثل لقدرة الله ووحدانيته تعالى؟!

لمّا قال النصارى اتخذ الله عيسى ولدا، وأنه ابن الله على الحقيقة وليس على المجاز، ردّ عليهم فقال: (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) (17) (الأنبياء) ، واللهو كما قيل هو المرأة، وقيل الولد، يعني أن يتخذ الله صاحبة أو يكون له ولد، فلو أراد ذلك لكان المعقول أن تكون صاحبته من أهل السماء، أو أن يكون الولد من الملائكة، وليس أن تكون الصاحبة مريم، والولد عيسى!

أنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبنا» (4/ 6) ، فالله الأب هو المرسل، والروح القدس هو المرسل، والابن هو سرّ الإرسالية؛ وفي رؤيا يوحنا: «الذين يشهدون في السماء ثلاثة: الأب، والكلمة، والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد (5/ 7) . وهذا الكلام، بلغة المناطقة، لا يعني شيئا، أي nil ، وهو تفلسف وليس فلسفة، ويكشف عن جهل وضلال، وينبّه إليه القرآن: (يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ) (171) (النساء) . والغلو هو التجاوز في الحدّ، والنصارى غلت في المسيح حتى جعلوه ربّا. والقرآن يدعو إلى التوحيد، والنصارى يدعون إلى التثليث، وكان المجوس اثنينية، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يطريه المسلمون كما أطرت النصارى عيسى، وأمرهم أن يقولوا أنه عبد الله ورسوله، وذلك هو النقيض الخالص لمقالة النصارى في الله (انظر أيضا عيسى كلمة الله، وعيسى روح من الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت