عبد الله بن صوريا يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتّبعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله الآية، بطريقة الحوار الذي هو منهج القرآن في التعليم والتعلّم، على شكل سؤال وجواب، والسؤال هو دعوتهم إلى اليهودية أو النصرانية، والجواب: هو دعوة مضادة للعودة إلى دين الآباء الذي هو ملة إبراهيم، سمّى حنيفا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام. والحنف: هو الميل، ومنه رجل حنفاء، ورجل أحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. والحنف إذن: هو الاستقامة، وسمّى المعوج الرجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة، كما يقال للمهلكة: المفازة. وإبراهيم الحنيف لذلك: هو المائل عن دين الضلال إلى دين الحق؛ والحنيفية: هي الديانة التي اشتهرت منسوبة إلى إبراهيم أبى الأنبياء، وهي الإيمان بما جاء به ودعا إليه ومن سبقه وخلفه من الرسل، من أولهم إلى آخرهم.
يقال للمؤمن: الحنيف، والجمع حنفاء كقوله تعالى: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ) (البينة 5) ، أي مائلين عن الأديان كلها إلى الإسلام، والتحنّف إلى الإسلام هو الميل إليه كقوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم 30) ، والدين الحنيف: هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، وسميت الفطرة دينا لأن الناس خلقوا ليعبدوا الله، كقوله: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات 56) ، والعبادة ديانة، وأنت لن تعبد إلا ما تعرف، والعبادة معرفة أولا، ومستحيل أن تعرف ذات الله، أو تعرف الله، ولكن يمكنك أن تعرف «عن» الله، و «عن» أوصافه، والمعرفة «عنه» تكون بتتبع مخلوقاته وإبداعاته، وباستكناه أسبابه في الكون.
«وإقامة الوجه للدين حنيفا» يعني أن تتوجه بجميع حواسك إلى هذه المعرفة التي هي حق، فالحنيفية ميل عن الضلال إلى الحق، وهي ملّة المؤمنين.
وفي الآية: (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ) (البقرة 138) سمّى الدين صبغة، من حيث تظهر أعماله وسمته على المتديّن، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب، ومثلما يقال الدين فطرة الله، فكذلك هو صبغة الله. وصبغة في الآية منصوبة على تقدير «اتّبعوا» أو «الزموا» ، ولو قرئت بالرفع لجاز. واليهود والنصارى يولد لهم، فيصبغون