فهرس الكتاب
هى الممتحنة (بكسر الحاء) ، لأنها تمتحن إيمان الناس فإما أن يبرّءوا، وإما أن يفضحوا،: ولذلك سميت: سورة براءة، والسورة الفاضح؛ وهي أيضا الممتحنة (بفتح الحاء) : لأن موضوعها المرأة التي تهرب من بلاد الحرب إلى بلاد الإسلام، مهاجرة من أجل دينها. والسورة مدنية، لبيان أحكام موالاة الأعداء حتى لو كانوا من الأهل والأقارب، وأحكام من لم يعادوا المسلمين، وأحكام مهاجرة النساء ووجوب امتحانهن عند الهجرة للتأكد من حقيقة إيمانهن، وصيغة مبايعة النساء. وترتيب السورة في المصحف هو الستون، وفي التنزيل المدنى هي الخامسة، وفي التنزيل عامة هي الواحدة والتسعون، وكان نزولها بعد سورة الأحزاب، وفي أسباب نزولها: أن حاطب بن بلتعة - وكان رجلا من أهل اليمن، وله حلف بمكة في بنى أسد بن عبد العزيز، كتب كتابا إلى قريش بمكة يحذّرهم فيه مما أعدّ لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم لفتح بلدهم، وسلّم الكتاب لامرأة من مكة كانت مولاة لعمرو بن صيفى بن هشام، وطلب إليها أن تسلّمه إلى مولاها، ومنحها أجرا لذلك عشرة دنانير وبردا وكانت المرأة قد التقت بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وسألها عن سبب حضورها، وعرف أنها لم تأت مهاجرة ولا مسلمة وإنما لترتزق، وكانت مغنية، ولمّا رحلت فجأة شكّ فيها، فأرسل وراءها عليا وآخرين، وأحضروا الكتاب الذي كان معها، فعرف نفاق بلتعة، وذاعت خيانته، ودافع عن نفسه أنه أراد تملّق كفّار مكة ليحموا قرابته فيها، وأنه لم يفعل ما فعل كفرا ولا ارتدادا عن الإسلام. ونزلت السورة تنهى عن مودة أعداء الله والرسول صلى الله عليه وسلم، وأعداء الإسلام، وتعلن أن هناك آخرين بين صفوف المسلمين من أمثال بلتعة يعلمهم الله، وتحذّر السورة من الطابور الخامس، ومن عملاء الداخل، وتخاطب المؤمنين بعامة، لعلهم يعوا النصيحة وينصاعوا للأمر، سواء في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعد ذلك، تقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ) (10) ولقد عفا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن بلتعة، ففهم المسلمون من ذلك أن هناك فرقا بين الجاسوس الحربى - وهذا جزاؤه القتل، والجاسوس المسلم أو الذميّ، وهذان يعاقبان. ولقد حدث أن جاسوسا للمشركين - وكان مسلما - ضبط في المدينة، اسمه فرات بن حيّان، فكان أول جاسوس مسلم في التاريخ، فحكم عليه بالقتل، فلمّا همّوا بقتله صرخ: أأقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟! فأمر به النبيّ فعوقب بغير القتل، وخلّى سبيله. وآية: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) أصل في النهي عن موالاة الأعداء حتى لو كانت موالاة في الظاهر، وحذّرت الآية منه فقالت: (وَمَنْ يَفْعَلْهُ