فهرس الكتاب
وتلك إذن نظرية الاصطفاء عند هؤلاء وأولئك وعند المسلمين من بعدهم، والله تعالى لا يمكن أن يختار إلا المتّقين والصالحين والأخيار، وذلك من معاني الإسلام. واللافت للانتباه أن إبراهيم لمّا أراد أن يجعل النبوة في ذريته، دعا ربّه بها لهم، فقال تعالى في جواب دعائه: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة 124) ، واليهود والنصارى لا عهد لهم مع الله لأنهم ظلموا، ولا يصلح الظالمون للاصطفاء أو الاختيار أو الاجتباء، لأنه مقصور عقلا وعرفا وشرعا على أهل العدل والإحسان والفضل.
العرب هم الجنس العربي الذي لغته وقوميته العربية، ومنهم العرب العاربة: وهم العرب الخلّص، ويقابلهم العرب المستعربة أو المتعرّبة وهؤلاء لم يكونوا عربا في الأصل، ثم سكنوا بلاد العرب، وتكلموا العربية، ويقال تعرّبوا: أي تشبّهوا بالعرب. والعرب عموما ينسبون إلى يعرب بن قحطان، أو أنهم سمّوا عربا لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم، ونشئوا في عربة من تهامة فنسبوا إليها، وكثيرا ما ينسب الناس إلى الأماكن مثلما ينسبون إلى الجدود. وكانت قريش تسكن عربة وهي مكة، وانتشر سائر العرب في الجزيرة العربية. وأما الأعراب: فهؤلاء هم العرب الرحّل، وثقافتهم أقل، ويعيشون في بداوة وجهالة. والموجود بالقرآن مصطلحان: «عربي، وأعراب» ، ويتكرر الأول إحدى عشرة مرة، ويوصف به اللسان: (لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (النحل 103) ، وينعت به القرآن: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (يوسف 2) ، وينسب إليه الحكم: (أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) (الرعد 37) . والنسبة به للثقافة والحضارة وليس للانتماء السلالى أو الوراثى الجينى. وكذلك مصطلح «الأعراب» ، فإنه يتكرر عشر مرات، ويدل على فئات من العرب أقل حضارة وثقافة، وهؤلاء عانى منهم المسلمون بسبب ضحالة معارفهم وانحطاط ثقافتهم الدينية والأخلاقية والاجتماعية، والإشارة بالمصطلح «الأعراب» تحديدا إلى فئة من كان يسكن من البدو حول المدينة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فرغم أنهم اعتنقوا الإسلام، إلا أنهم لم يعرفوه حق المعرفة، ولم يمارسوه كما ينبغي، وكان من الواضح أن اعتناقهم له كان طلبا للسلامة، وطمعا فيما يمكن أن يعود به الإسلام عليهم من المكاسب، كالمنعة والصدقة والفيء، وجاء في وصفهم في القرآن: (الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ) (التوبة 97) ، فكانوا الأشد كفرا ونفاقا من المنافقين، والأشد جهلا في أمور الدين، وكان أذاهم الأكثر، لأنهم كانوا الأقسى قلبا، والأجفى قولا، والأغلظ طبعا، والأبعد عن سماع التنزيل،