غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) (البقرة 249) ، والفئة هي الجماعة، وقولهم تحريض على القتال، واستشعار للصبر، واقتداء بالمصدّقين من الأماثل، وهؤلاء القلة هم الربّانيون المعنيون بالآية: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (146) (آل عمران) ، ولذلك دعوا في موقفهم القتالى فقالوا: (رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (250) (البقرة) مثلما دعا غيرهم، قالوا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (147) (آل عمران) ، فهزموهم، وإنما كان ذلك بإذن الله بحسب القرآن، وافتقدنا مثل ذلك في رواية صموئيل. وفي رواية القرآن قتل داود جالوت جهادا، فكان أن آتاه الله الملك والحكمة وعلّمه مما يشاء، وليس ذلك في رواية صموئيل، ثم يأتي في القرآن هذا القول الحكيم والبديع كأبدع ما تكونا الحكمة: (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ) (251) (البقرة) ، فيتضح أن شرّ الظالمين والكافرين والمعتدين والبغاة يدفعه الله بالمؤمنين والصالحين والأخيار. وهذا هو الدرس المستفاد من قصة جالوت مع داود، والذي حجب عن صموئيل فلم يره ولم يأت ذكره على لسانه، ولم يتضمنه كتابه، وآتاه الله النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: (تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (252) (البقرة) ، تأكيدا بأنه صلى الله عليه وسلم نبيّ مرسل، ولولا ذلك ما أعطى زبدة الموضوع وخلاصته، ولما أوتى هذه الحكمة التي حرمها صموئيل، لأن صموئيل لم يكن نبيا على الحقيقة ولا رسولا، وإنما كان كما قال الروائي والفيلسوف هيربرت چورچ ويلز H.G.Wells عن أنبياء إسرائيل: لم يكونوا أنبياء فعلا ولكنهم رجال دولة يخططون لتثبيت أركان دولتهم لا غير!
قصة داود بن يسى
بحسب التوراة فإن داود كان ثاني ملوك إسرائيل، ويأتي بعد طالوت أول ملوكهم، واسم هذا الأخير عند اليهود شاول، وشاول هو الذي اختار داود ضمن أتباعه، وكان داود من سبط يهوذا، ويهوذا هو الذي وصفه يعقوب أبوه بأنه شديد البأس، يميل إلى العنف، وهو ابن ليئة، وهو الذي أوعز إلى إخوته أن يبيعوا يوسف للإسماعيليين، وهو أيضا الذي دخل على زوجة ابنه: «شيلا» باعتبارها بغيا، وحملت منه سفاحا وولدت توأمين. فهذا إذن هو أصل داود كما تقصّه التوراة. واسمه داود يعني «المحبوب» ، ويوصف مغالاة بأنه