تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) (4) (الشعراء) فقد كان حريصا على إيمان جميع الناس، فأخبره الله تعالى أن الإيمان ليس بالإكراه ولكن بالامتناع، وليس قسرا ولكنه اختيار؛ وباخع نفسك يعني قاتل نفسك يا محمد لتركهم الإيمان، ولو أراد الله للناس الإيمان إكراها لأنزل من السماء معجزة يذلّون بها، ويلوون إليها أعناقهم إكبارا ورهبا، وذلك هو إذلال الرقاب، وإذا ذلت الرقاب ذلّوا.
القائلون أن الإيمان هو العمل يدللون على قولهم بالآيات: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (72) (الزخرف) ، (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (92) (الحجر) ، (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) (61) (الصافات) ، وهذه آيات عامة في الأعمال، وفي الحديث لمّا سئل صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» فدلّ على أن الاعتقاد والنطق من جملة الأعمال. فإن قيل وكيف الجمع بين هذا الحديث وتلك الآيات. والحديث الآخر الذي يقول: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» ؟ والجواب أن الثابت في الآيات والحديث أن دخول الجنة بالعمل المتقبّل، بينما في الحديث الأخير نفى أن يكون دخولها بالعمل المجرّد عن القبول، والقبول إذن شرط العمل في الحالتين.
203 -حجة من قال: الإيمان قول باللسان
في الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (8) (البقرة) ، فإن قوله تعالى (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) رد على من يقول: إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب ونسمع ذلك من كثير من المهنيين والصحفيين والمتعلّلين بالنطق بالشهادتين، وقديما كانت هناك فرق إسلامية كالكرامية قالت بذلك، ويبدو أن أمثال أصحابنا الدكاترة في الصحف المصرية من نسل هؤلاء الكرامية، وأكرمونا من تعاليمهم وأقوالهم بالكثير، مع أن فلسفات العمل في الفكر الأوروبى لا تحصى ولا تعد. ومن الكرامية قديما خرجت الطرائقة، والإسحاقية، والهيصمية، والقائمة طويلة وتنتهي إلى أصحابنا اليوم ورأسهم المستشار إياه، ويحتج من يعرف منهم القرآن، كاحتجاج المستشرقين بالآية: (فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا) (85) (المائدة) ، يعني المسألة عندهم مسألة قول فقط، وهذا قصور في الوعي وأى قصور، وجمود في الفهم وأى جمود، وإهمال لما أكده القرآن وجاءت به السنّة من العمل