فهرس الكتاب

الصفحة 1521 من 2524

ذلك لأنهم اعتبروه قد سرق منهم محبة أبيهم لهم، واستحوذ على أبيهم دونهم؛ وقيل كان يوسف إذا جلس على المائدة ليأكل مع إخوته لا يجد ما يشبعه، لكثرتهم وقوتهم، ولضعفه وصغر سنه، فكان يحتال ليفوز لنفسه ببعض الطعام، فكانوا يضبطونه ويعيّرونه به. ومن أجل ذلك قالوا: إن أخاه يقتدى به ويسلك على نهجه.

قصة يوسف من أحسن قصص القرآن كما قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (يوسف 3) ، والقصة في جزء منها تحكى عن حبّ يعقوب لابنه يوسف، وحبّ الابن لأبيه، وفي الجزء الآخر تبرز القصة انتصار الفضيلة عند شاب مثل يوسف في مقتبل عمره، كان قد عزف عن الرذيلة، واستمسك بالدين، واعتصم بالإيمان. وفي القصة يتناجى الولد مع أبيه: (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ) (يوسف 4) ، فيقول الأب: (يا بُنَيَّ) ولا يمل الأب تعليم ابنه في كل المواقف، ويتعهده بالتربية، فلمثل ذلك يكون الآباء، يقول يعقوب ليوسف: (وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ) (يوسف 6) ، يذكّره بأجداده، وبالرسالة التي كلّفوا بها ويرثها عنهم، والإيمان وما يعود عليه من الخير والنّعم والعلم. وقيل إن محبة يعقوب ليوسف لأنه كان ابن الزوجة الجميلة الأثيرة عند زوجها، وقيل لأنه بكر أولاده منها، وإنما السبب الحقيقي أن يوسف كان وريث بيت النبوّة، وآل إليه أمر الدعوة، وكان ما ينفك يدعو إلى الله، فدعا إليه «العزيز وامرأته» ، ورئيس السجن، وزميليه فيه، ثم الفرعون وآله، فلما جاء موسى من بعد، ودعا فرعون، كان من بين بلاطه رجل من آله يؤمن بالله قال: (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا) (غافر 34) ، يعني أن دعوة يوسف كانت ما تزال آثارها باقية كل هذه السنوات، فلذلك أحب يعقوب ابنه يوسف، لأنه كان الحريص على الدعوة، والحفيظ عليها، والقائم بها، وهذه الوشيجة الروحية بين يعقوب وابنه يوسف هي التي صرفت عن يوسف خواطر السوء والفحشاء في «مشهد الغواية» ، واصطلح عليها القرآن باسم «برهان ربّه» ، أي البرهان على أن الله كان مع يوسف، وأنه تعالى لا ينسى أولياءه، فكذلك مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وأصابته رحمة الله، ولم يضع أجره وجعله من المحسنين، ورفعه درجات، وفوق كل ذي علم عليم، ولمّا كاد يعقوب ييأس، لم ينجه من اليأس غير إيمانه وصبره «الصّبر الجميل» ، وتأسّف يعقوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت