فهرس الكتاب

الصفحة 1437 من 2524

نبيّ، وإنما الفتوة مواقف ترصد لأصحابها وتشهد لهم بالإيجابية، وأصحابها دائما من الشباب المنفتح على الحياة. وأهل اللسان يقولون: الفتوة هي الإيمان يكون عند الشباب خاصة. وقيل: الفتوة بذل النّدى، وكفّ الأذى، وترك الشكوى. وقيل: هي اجتناب المحارم، واستعجال المكارم.

الذي قال: (إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (العنكبوت 26) هو لوط، وإنما قال ذلك تصديقا لعزم إبراهيم على الهجرة، فصاحب فكرة الهجرة والذي أشرف على تنفيذها هو إبراهيم، وهو عمّ لوط، وقد رأى أنه يهاجر من أور الكلدانيين إلى أرض كنعان، فجاء أولا إلى حاران برفقة لوط ابن أخيه، وأقام هناك، ثم تركها إلى أرض كنعان، ثم إلى موضع شكيم، ثم إلى بلوطة مورة، وهناك بنى مذبحا للربّ، وصحبته في هجرته سارة امرأته. فكأن إبراهيم كان أول من هاجر من أرض الكفر، وقيل: كان في الخامسة والسبعين. وقيل: إن أول من هاجر هو لوط، وهو الذي قال: (إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي) . ويقابل ذلك في الإسلام أن عثمان بن عفان كان أول من هاجر إلى الله في الهجرة الأولى بصحبة زوجته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت هجرته إلى أرض الحبشة، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هجرة عثمان ورقية: «صحبهما الله. إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط» ، والحديث فيما يبدو موضوع، وفي التوراة أن إبراهيم ولوطا سويا، ومعهما أهلهما، هاجروا وبصحبتهما سارة، وذلك هو الصحيح بمنطق التاريخ: أن لوطا لم يسبق إبراهيم في الهجرة، ولا تعنى الآية: (إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي) أنه أول من هاجر، وإنما هو إعلان موافقة منه على ما قرره إبراهيم، وهجرة إبراهيم كانت بدافع من منازعاته مع السلطة في بلده، فهي «هجرة مشروعة» يقضى بها الدين، وأما هجرة لوط فهي «هجرة صحبة» ، لأنه لم تكن للوط قضية يهاجر بسببها. وفى التوراة كذلك أن إبراهيم لمّا نزل القحط بفلسطين توجه إلى مصر، وعاش بها لفترة طويلة، فكان أول نبيّ يزور مصر وينزل بها، ووهبه الفرعون ماشية رعاها وتكاثرت عنده جدا، فصار له الغنم والحمير والبقر، والعبيد والإماء، وإبراهيم نزل في مصر في «أرض جاسان» (محافظة الشرقية الآن) ، وكانت هذه الأرض محل صراع بين ملوك مصر والفاتحين من آشور، وقصة إبراهيم مع الفرعون، وكذلك قصة يوسف، والأسباط، وموسى، لم تجر في أرض مصر الحقيقية Proper Egypt ، وإنما بأرض جاسان وعاصمتها «تانيس» ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت