جملة، كإحباط الإيمان للكفر، وإحباط الكفر للإيمان؛ وثانيهما: إحباط أن توازن بين الحسنات والسيئات، بأن تجعل الحسنات في كفّة والسيئات في كفّة، فمن رجحت حسناته نجا، ومن رجحت سيئاته وقف في المشيئة، فإما أن يغفر له، وإما أن يعذّب. والتوقيف إبطال، لأن توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها. وكذلك التعذيب إبطال أشدّ من التوقيف، لأنه يستمر إلى حين الخروج من النار، وفي كل منهما إذن إبطال نسبيّ، أطلقوا عليه اسم الإحباط مجازا، وليس هو إحباطا حقيقيا، لأنه إذا خرج من النار وأدخل الجنة عاد إليه ثواب عمله. ويسوّى الإحباطية بين الإحباطين، ويحكمون على العاصي بحكم الكافر، وهؤلاء هم معظم القدرية.
محبة جميع الرسل من الإيمان، لكن الأحبية يختص بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: «فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» . فاختار الولد والوالد لأنهما أدخل في المعنى وأعزّ على العاقل من الأهل والمال. والمراد بالمحبة «المحبة عن اختيار» وليس «المحبة عن طبع» . وفي الرواية أن عمر بن الخطاب قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: لأنت يا رسول الله أحبّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا والذي نفسي بيده، أكون أحب إليك من نفسك» ، فهذه هي المحبة الحقيقية: أن تؤثر محبوبك على نفسك، وهذه المحبة هي جوهر الإيمان الحقّ. وعلامة حبّه الله حبّ القرآن، وعلامة حبّ القرآن حبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعلامة حبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حبّ السنّة، وعلامة حبّ الله، وحبّ القرآن، وحبّ النبيّ، وحبّ السنّة، حبّ الآخرة، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه، وعلامة حبّه لنفسه أن يبغض الدنيا.
الإنسان مخيّر فيما يخصّ «افعل ولا تفعل» ، أي في مجال التكاليف، فإذا كلّف بأن لا يسرق ولا يزنى، وسرق وزنى، فإنه يكون قد اختار ذلك ومن ثم يكون مسئولا عما اختار، لأنه كان حرا أن يختار، وأن يفعل، وفي غير التكاليف فالإنسان مسيّر، يقول تعالى: (ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (68) (القصص) ، والآية نفى عام أن يكون للعبد فيها شيء في المقادير، كالميلاد، والجنسية، والشكل، والذكاء، والقدرات، والنسب إلخ، فليس له شيء، فمن منا يمكن أن يختار لنفسه شكلا معينا، أو أبا أو أما بذاتهما، أو أن تكون له قدرات خاصة دون قدرات؟ وما عدا ذلك فهو من اكتسابه، وحتى ذلك فإن اكتسابه في