فهرس الكتاب

الصفحة 989 من 2524

المؤمنون من طيب العيش، وما يعذّب به الكافرون، وتنبّه إلى أن الله كان يمكن أن يطمس على أعينهم في الدنيا جزاء وفاقا، ولكنه يتركهم ليطول عمرهم، ويسوء حالهم، ثم يكون الحساب في الآخرة. وتعرض الآيات للقرآن، وتنفى أنه قول شاعر، فما يجوز الشعر للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما هو قرآن نذير، يذكّرهم بنعمه تعالى عليهم، ويلومهم على عبادة من لا يستطيعون نصرهم، ويخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يحزن عليهم، فهذه هي حال الإنسان، ما كاد يخلقه من نطفة حتى تحوّل خصيما له تعالى، وتعلّل لجحده وإنكاره للبعث، بأن العظام بعد أن تصبح رميما لا تدبّ فيها الحياة، ونسى خلقه، فقد كان حفنة من طين، ونطفة من منيّ، فصار ما هو عليه، أفيعجز من صنعه أن يعيده سيرته الأولى؟ وهو تعالى القادر، يجعل من الشجر الأخضر نارا مع أنهما متناقضان، وخلق السماوات والأرض، فالسماوات في العلا، والأرض في الدنا، أفلا يستحق أن يسمّى الخلّاق والعليم؟ وأمره فيما يخلق أن يقول له كن فيكون، سبحانه. والسورة حافلة بالبراهين والأدلة على وجود الله وقدرته، وبصور البلاغة، وتكثر بها المطابقات والجناس والاستعارات، وتستخدم منطق المتقابلات والمتناقضات، كالماء يطفئ النار، واقتداح النار من الشجر الأخضر، وحال السعداء ونقيضه حال الأشقياء، والموت ونقيضه الإحياء، والإنذار كمقابل للإعذار، وفيها الاستفهام الإنكارى للتوبيخ، كقوله: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) (23) ، و (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ) (77) ، و (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) (62) . ومن محاسن وعظمة البلاغة فيها القصة الموجزة لأهل القرية، يقصد بها التذكير والاعتبار، فلم يذكر اسم البلدة، ولا اسم المؤمن بها، ولا الرسل المبعوثين إليها، فيحتمل أنها قرية بعينها، وربما هي الدنيا بأسرها، أرسل الله لأهلها موسى ثم عيسى، وأخيرا محمد، فما آمن إلا القليل. وفي السورة نفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يقول الشعر، فما كان شاعر، وما كان القرآن بشعر، لأن الشعر كلام منمّق، وكله خيالات ومبالغات، وليس كذلك القرآن، والشّعر أعذبه أكذبه، والقرآن تنزّه عن مماثلة كلام البشر.

السورة مكية، وآياتها اثنتان وثمانون ومائة، وكان نزولها بعد سورة الأنعام، وترتيبها في المصحف السابعة والثلاثون، وفي التنزيل السادسة والخمسون، وسميت «الصافات» لأنها بدأت هكذا: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا(1) فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (4) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ) (5) ، وهذا قسم بالملائكة يذكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت