وعن ابن شهاب: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» ، أو «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» . والتلاوة خلاف التغنّى، فالتلاوة تجويد. والتغنّى بالقرآن: هو أن تجوّده وتتلوه بصوت جهير حسن، قيل يتحزّن به. وقيل: التغنى بالقرآن: هو أن تقوم عليه وتتشاغل وتتلذذ به وتستحلى له، كما يلتذ أهل الطرب بالغناء، وتجعله هجيراك، أي دأبك وعادتك، كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء. والعرب كانوا إذا ركبوا الإبل، أو جلسوا في أفنيتهم تغنّوا. فكأن التغنى هو الحثّ على ملازمة القرآن، وقد يعني التغنّى: الاستغناء بالقرآن، بأن نصدّق بما فيه ونؤمن به، ولا نصدق أو نؤمن بغيره. والتغنّى قد لا يستطيعه كل الناس، وعندئذ يكون معناه أن نرتاح لقراءته، ونسكن لسماعه من الآخرين يتغنون به. والتغنّى: أن نغتنى به نفسيا ونقنع. وكان الشافعي يحب أن يقرأ القرآن حدرا وتحزينا. وفي اللغة حدرت القراءة أدرجتها ولم أمططها، والتحزين ترقيق الصوت وتصييره كصوت الحزين يرقّق القلوب. والشافعي على الرأي بأن التغنّى هو تحسين الصوت.
عند الطبري عن ابن شهاب قال: «قد أذن للنبيّ صلى الله عليه وسلم بالترنّم» ، والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسّنه القارئ وطرب له. وعند ابن ماجه والحاكم وابن حبان عن فضالة بن عبيد قال: «الله أشد أذنا - أي استماعا - للرجل الحسن الصوت بالقرآن، من صاحب القينة إلى قينته» ، والقينة هي المغنية. وعند أبى داود، من طريق ابن أبي مسجعة، قال: كان عمر ابن الخطاب يقدّم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم».
وعند ابن أبي شيبة من حديث عقبة بن عامر، قال: «تعلّموا القرآن، وغنوا به وأفشوه» ، والتغنّى هو الترجيع بالصوت. وربما التغنى بمعنى تكلّف القرآن، أي نطلبه ونحمل أنفسنا عليه ولو شق ذلك علينا. ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص عند ابن عوانة: «فإن لم تبكوا فتباكوا» ، وقيل من يقرأه ويرفع صوته فقد تغنى. وعن عبيد بن عمير قال: «كان داود عليه السلام يتغنّى - يعني حين يقرأ - ويبكى ويبكى» . وعن ابن عباس: أن داود كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكى نفسه، لم تبق دابة في بر ولا بحر إلا أنصتت له واستمعت وبكت» وفي الحديث: «إن أبا موسى أعطى مزمارا من مزامير داود» . والحاصل أنه يمكن الجمع بين هذه التأويلات كلها، وهو أن يحسّن صوته إذا قرأ، جاهرا به، مترنما على طريق التحزّن، مستغنيا بالقراءة، طالبا بها غنى النفس، وراجيا غنى اليد. والنفس أكثر طلبا للقراءة