السورة مكية، ولذلك تعتنى بإثبات وجود الله، وبيان صفاته، كشأن السور المكية؛ وآياتها إحدى وعشرون آية، فتعدّ من قصار السور، وترتيبها في المصحف الثانية والتسعون، وفي التنزيل التاسعة، وكان نزولها بعد سورة الأعلى، وموضوعها: بيان حال الإنسان في الإيمان والكفر، ومآله في الحالين. ويبدأ الجزء الأول بالقسم ببعض الآيات الكونية، بما يفيد قدرته تعالى، والقدرة صفة فعلية من صفاته، وتشير إلى ذاته، وليس أوضح من آيتى الليل والنهار: كآيتين للزمان، وآيتى الذكر والأنثى: كأصل لكل حياة، ولتباين الأنواع والأجناس وليس ألزم للحياة من الليل والنهار، فالليل لباس، والنهار معاش، وليس ألزم للحياة من أن تكون الكائنات والمخلوقات بها ذكورا وإناثا للتكاثر وصنع الأجيال، ومع أنه لا يتشابه ليل مع نهار ولا نهار مع ليل، ولا يتماثل ذكر مع أنثى، ولا أنثى مع ذكر، فقد جعل بين هذين التوالى، وبين هذين الوفاق، فليس عجيبا أن يكون القسم بهما قسما عظيما، وجواب القسم هو قوله تعالى: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) (4) ينبّه إلى حقيقة من حقائق الحياة. وبهذا الجواب يبدأ الجزء الثاني من السورة، ويؤكد أن المساعى في الحياة متباينة، والأعمال شتى، وكذلك اعتبارات كل إنسان تتباين وتتفارق عنها عند غيره من الناس، وقد يكون أحد الناس مؤمنا بينما يكون الآخر كافرا، وقد يكون عاصيا، والآخر مطيعا، وقد يكون هذا جزاؤه الجنة، والآخر عقابه النار. وفي هذا الجزء يتضح المنهج الجدلى في القرآن الذي قوامه المتقابلات، فمن يعطى وينفق ويتقى ويصدّق بالحسنى تتيسر له اليسرى، يقابله من يبخل ويستغنى ويكذّب بالحسنى فتتيسر له العسرى، والله تعالى يهدى ويرشد ويخبر عن الطريقين: اليسرى والعسرى، ويوضح الحالتين، حتى إذا حاسب كان حسابه العسير، ومن يتردّى في النار فما يغنيه عنه ماله الذي كان يبخل به، وهو تعالى مالك الدنيا والآخرة، وإن يشأ يعذّب من يستحق في الدنيا أو في الآخرة. ثم يكون القسم الثالث من السورة: وفيه النذارة للأشقى: وهو الذي كذّب بالرسل وبالبعث والحساب، وأعرض عن الإيمان، فذلك له النار تلظّى، وسيتجنّبها الأتقى: وهو الذي يؤتى ماله يتزكّى، ليس لأن الغير لهم عنده أياد، وإنما لوجه الله، ولسوف يعطيه الله في الآخرة إلى أن يرضى، ووعده كريم لأنه ربّ رحيم. وفي الحديث: «لا يدخل النار إلا شقيّ» ، قيل: ومن الشقى؟ فأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك لله معصية» ، وقال: «كل أمّتى تدخل الجنّة يوم القيامة إلا من أبى» قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعنى دخل الجنة، ومن عصانى فقد أبى» . وقيل في السورة: إنها نزلت في أبى