أنصارية يقال لها «أم العلاء الأنصارية» ، قالت لمّا مات عثمان بن مظعون: إن عثمان وقد توفى أكرمه الله، فادّعوا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها: «ما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين، وما رأينا منه إلا خيرا، فو الله إني لأرجو له الجنة، وو الله إني لرسول الله وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم» . وهذه العبارة الأخيرة هي التي وردت ضمن الآية، فانتزعوها من سياقها وحشروها ضمن سياق جديد يثبت وجهة نظرهم، ويثبت تهافت دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه مبعوث من الله تعالى. وقالوا: إن أم العلاء لما سمعته ينفى عن نفسه أنه لا يدري، قالت: بأبى وأمي يا رسول الله؟! فمن يدري؟! - فهذا هو ما روّجوه، فلما نزلت الآية: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (الفتح 2) فرح بها من صدّقوا فرية اليهود، لضعف إيمانهم، حتى أنهم صاروا يهنئون رسول الله وقالوا: هنيئا لك يا رسول الله، لقد بيّن الله لك ما يفعل بك، فليت شعرنا ما هو فاعل بنا؟! فنزلت الآية: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) (الفتح 5) لتطمئنهم، فهذا ما زعمته هذه الروايات، وكلها إسرائيليات من نسج اليهود وتلاميذهم قاتلهم الله!.
والآية: (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ) (الأحقاف 35) : قيل: نسختها آية السيف، وهذا غير صحيح، فالآية محكمة ولا علاقة لها بالقتال، ويسبقها ويلحقها وعيد من الله للكفار، وكأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد ضجر من قومه، فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم، فأمر بالصبر. وقيل: الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فأمره الله عزَّ وجل أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل، تسهيلا عليه وتثبيتا له، فكيف إذن يقال إن الآية نسخت؟!
الآية: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) (4) : قيل: نسختها الآية: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة 5) ، والآية: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) (الأنفال 57) ، وقوله: (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) (التوبة 36) ، والصحيح أن الآية لم تنسخها هذه الآيات، ولا تعارض بينها، ومعناها جميعا أن الإثخان هو الأصل والقتال محتدم، ليبث في العدو الرعب فيولون الأدبار، أو يهابون الدخول في معارك لاحقة، ومن يقع من العدو أسيرا، فالحال معه إمّا المنّ أو الفداء، والخيار لأصحاب القرار السياسي، وقد فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الأمور الثلاثة، فأثخن في بدر، وفادى سائر الأسرى، ومن على سبى هوازن، والآيات إذن جميعها محكمة ولا شيء منها بناسخ أو