الآية: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ) (2) (التوبة) : قيل: الآية منسوخة، ونسختها: (وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (التوبة 3) ، ولا نسخ هناك ولا تعارض، فالآية الأولى فيها مدة العهد أربعة أشهر ثم الحرب، وانقضاء العهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم.
والآية: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (5) : قيل: هذه آية السيف، قيل نسختها الآية: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) (محمد 4) ، وقيل بل هي ناسخة لهذه الآية الأخيرة، ولا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل. والصحيح أن الآيتين محكمتان، لأن المنّ والقتل والفداء جميعها لم تزل فيهم من أول حرب حاربهم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يوم بدر. ثم إن قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (التوبة 5) أمر بالقتال، وقوله: (وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ) (التوبة 5) أمر بالأسر، فإذا وقع الأسير في يد من بيده الأمر، فهو مخيّر، إن شاء منّ عليه، وإن شاء فاداه، وإن شاء قتله صبرا، أيّ ذلك رأى فيه مصلحة للمسلمين فعل. والآية: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) (6) : قيل: هذه الآية نسختها آية القتال التي تقول: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة 5) ، فليس صحيحا أن حكم هذه الآية باق مدة الأربعة الأشهر التي ضربت أجلا للمشركين، فقد جاء رجل من المشركين إلى عليّ بن أبي طالب وقال له: إن أراد رجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأربعة الأشهر فيسمع كلام الله، أو يأتيه بحاجة، قتل؟ فقال عليّ: لا! لأن الله تبارك وتعالى يقول: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) ، فهذا هو الصحيح، والآية محكمة.
والآية: (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (7) : قيل: نسختها آية السيف، والصحيح أنه لا تعارض بين الآيتين، حيث أن الآية الأولى ليس فيها أن الذين عاهدوا عند المسجد الحرام نكثوا وظاهروا المشركين، لأن معناها أن هؤلاء ما أقاموا على الوفاء بعهدهم للمسلمين، فسيقيم المسلمون على الوفاء بعهدهم لهم، فلا نكث هناك، وعلى ذلك فلا نسخ.