المسلمين عن الغلول، وتتوعدهم عليه. وكما لا يجوز أن يخون النبيّ صلى الله عليه وسلم، لا يجوز أن يخونه غيره، ولا يجوز أن تمارس الخيانة أصلا بين الناس جميعا. والآية تنفى بالكلية الغلول عن الأنبياء.
قالوا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه يدّعى أنه يوحى إليه، ويدّعى العلم بالغيب، والمعرفة بتواريخ الأمم البائدة، والأنبياء السابقين، فنزلت الآية: (قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (9) (الدخان) ، تثبت أن ما ينسبونه إليه لم يكن فيه بدعا من الرسل، فإنه يوحى إليه، وما يوحى إليه يبلّغه، ولا يعلم الغيب، ولا يدري شيئا إلا ما يوحى إليه، ولا يقول شيئا من نفسه ويزعم أنه موحى إليه به، وإنما هو رسول نذير مبين، يشرح ويفسّر ما أمر بتبليغه والإنذار به.
242 -محاجة اليهود بشهادة يهودي في نبوته
اليهودي هو عبد الله بن سلام، نزلت فيه الآية: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (10) (الأحقاف) ، قيل: أنه شهد على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة، وأنه نبيّ من عند الله. وقال: أيها الناس، كان اسمى في الجاهلية فلان، فسمانى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، ونزلت فيّ آيات من كتاب الله - فنزلت فيّ: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (10) (الاحقاف) ، ونزلت فيّ: (قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) (43) (الرعد) . والآيتان في محاجة اليهود، وهما مدنيتان. ووجه الحجة في الآيتين أن ابن سلام لما جاء مسلما من قبل أن تعلم اليهود إسلامه، قال: يا رسول الله، اجعلنى حكما بينك وبين اليهود. فسألهم النبيّ أولا عن ابن سلام: «أى رجل هو فيكم؟» قالوا: سيدنا وعالمنا. ورضوا بحكم ابن سلام، وقالوا: إن شهد لك آمنا بك. - فسئل، فشهد ابن سلام، وأسلم، فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنه قد آمن بي» فأساءوا القول عندئذ في ابن سلام!! فهذا هو وجه الحجة في الآيتين.
أنزل القرآن متفرّقا، وأراده كفّار قريش لو أنزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة: