والتوبة والذكر، والجهاد والصبر، والتحاب في الله والأخوة؛ فكأن الأحاديث النبوية تشرح القرآن وتفسيره، وتؤكد معانيه، والجميع - سواء كانت قرآنا، أو أحاديث قدسية أو نبوية، فيوضات موحى بها، إلا أن الوحي بالقرآن بالمعنى واللفظ معا، وبالحديث القدسى بالمعنى دون اللفظ، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يعبّر عن المعنى ببيانه المفرد، وأما الأحاديث النبوية فهي ما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قول أو فعل أو حكم أو تقرير، ومن ذلك مثلا قوله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من لم يترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه» ، فالكلام في الحديث النبوي جامع لشروط البلاغة، وفيه الحكمة العالية، إلا أنه أقل بلاغة من القرآن، وكلاهما القرآن والأحاديث النبوية يشكلان معا الإسلام.
والفرق بين التناول القرآني وبين التناول النبوي للموضوعات الواحدة، أن القرآن يأتي مجملا، وأن السنّة مجملة ومفصّلة، ومن ذلك مثلا قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (104) (آل عمران) ، ونفس المعنى يأتي به الحديث: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم. ومعانيه استلهمها النبيّ صلى الله عليه وسلم من القرآن من هذه الآية، ومن غيرها من الآيات التي يحفل بها القرآن وتتطرق إلى نفس الآداب؛ ولا غناء عن السنّة لمعرفة القرآن، ولا مندوحة عن الرجوع إلى القرآن لبيان أصل السنة.
القرآن قرّة عين المسلم، وفي الحديث القدسى عن أبي سعيد الخدرى: «من شغله القرآن عن ذكرى وعن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» . وفي الحديث عن أبي هريرة «فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» . وعن أبي سلمة عن عثمان: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» . وفي الحديث عن أبي موسى الأشعرى: «مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالثمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مرّ. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مرّ ولا ريح لها» . فأقسام الناس من القرآن - وهم مسلمون - أربعة: منهم اثنان مؤمنان، واثنان فاجران، فأما المؤمنان: فأحدهما على الإيمان ويقرأ القرآن ويعمل به، وعمله لذلك طيّب وما يقوله طيب، والثاني على الإيمان ولكنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، ومن ثم لا يعرف ما عليه عمله، فلأنه مؤمن فما يصدر منه