أهبة الولادة، وكانت على هيئة عظيمة فلم تشبهها ناقة مما نعرف، وكثر لبنها حتى كان يكفيهم جميعا. وكانت لصالح آيات أخرى كالبئر وغيرها، ولكن أصحاب الحجر أعرضوا عنها ولم يعتبروها، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتا، أي ينحتونها في الجبال، والنحت في الجبال يحتاج لقوة، وعرفوا بطول القامة وبالقوة والبأس، وعاشوا لذلك آمنين، ولكنهم عبدوا غير الله، وجحدوا رسالة صالح إليهم، فأنذرهم، ثم أتاهم العذاب في وقت الصبح، وأخذتهم الصيحة فما أغنى عنهم ما كان لهم من أموال وحصون في الجبال، ولا ما أعطوه من قوة، وسبحان المعزّ المذلّ.
تناولت قصة «ثمود وصالح والناقة» : إحدى وعشرون سورة، وكانت أول سورة تعرضها هي سورة الفجر، ثم النجم، ثم الشمس، ثم البروج، ثم ق، ثم القمر، ثم ص، ثم الأعراف، ثم الفرقان، ثم الشعراء، ثم النمل، ثم الإسراء، ثم هود، ثم غافر، ثم فصّلت، ثم الذاريات، ثم إبراهيم، ثم الحاقة، ثم العنكبوت، ثم الحج، وأخيرا التوبة. وكانت القصة بحسب هذا الترتيب كالآتي:
في سورة الفجر في قوله تعالى: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ) (9) : أن ثمود كانوا جبابرة يبنون بيوتهم من الصخور يقطعونها من الوادى؛ وفي سورة النجم في قوله: (وَثَمُودَ فَما أَبْقى) (51) أن من أوصافه تعالى أنه يميت ويحيى، وأنه أهلك الذين لم يؤمنوا من الأمم القديمة، ويضرب المثل بثمود فلم يبق على أحد منهم؛ وفي سورة الشمس في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها(11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (12) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (14) وَلا يَخافُ عُقْباها) (15) : أن ثمود كانت أمة يشيع فيها الطغيان والظلم، وأن رسول هذه الأمة كان له آية معجزة هي الناقة، وطلب منهم أن يتركوها لشأنها ترعى وتشرب من ماء الله، فجحدوا ما قال واستصغروه، وعقروا الناقة وذبحوها، فاستوجبوا غضب الله عليهم، فدمر قراهم، وهدم ما كانوا يبنون حتى سوّاه بالأرض، وهو الله الكبير المتعال والمنتقم الجبار، وكل عقاب ينزله بالمستعجبين لعقابه، هو المتحمّل لنتائجه، لأن لكل عقاب خطير كهذا، نتائج خطيرة مثله، ولا بد أن يتحملها من هو أهل لها، وذلك هو الله؛ وفي سورة البروج في قوله تعالى: (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ(17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ) (18) : أن ثمود كانوا مثل قوم فرعون، بهم بأس وقوة وبطش، فكذبوا المرسلين، والله يعلم ما يدبّرون، فأنزل بهم