فهرس الكتاب

الصفحة 725 من 2524

أى عليها غشاوة، ومطبوعة بالكفر، وبيّن تعالى السبب في نفورهم عن الإيمان، أنهم لعنوا بكفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه. وأصل اللعن الطرد والإبعاد، واليهود لا يؤمنون إلا بما في أيديهم، وإيمانهم مادى وقليل.

في القرآن: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم 30) ، والمعنى: أن الدين هو شرعة الله التي فطر الناس عليها. والحنيفية هي الدين الخالص لله، وهي الإسلام، بمعنى التسليم بوحدانية الله، والإقرار بفضله، والشكر له على نعمه، وطاعته فيما أمر به ونهى عنه. فالدين من الفطرة السليمة، والدين علم كالعلوم، يمحّصه العقل، ويتفهّمه، ويعيه، ويهذّبه ويشذّبه، ويقيم معوجّه إذا جنح به الجانحون أو تطرّف فيه المتطرفون، وما من إنسان على ظهر البسيطة إلا ويؤمن بقوة أعلى وأسمى، حاكمة على كل القوى، ويطلق عليها اسما، والبعض يقول إن إيمانه عن طريق الرسل والأنبياء، والبعض يقول إن إيمانه بالعقل، وكلاهما فطرى في الإنسان، فالإيمان فطرة، والتعقّل فطرة، والفطرة السليمة Common Sense أساس العقل، والدين فطرى، أي يعتقده المعتقد بالفطرة، أي بالعقل في أخص حالاته، وقبل أن يتشوّش، أو ينحاز، أو يميل عن هوى، قصدا أو عن غير قصد، وقبل أن يتثقّف ويستدخل مفاهيم المجتمع المدنى والحضارة. وفلاسفة الفطرة في بلاد الغرب قالوا مثل ذلك، وعرّفوا الفطرة بما قلناه، قالوا: Common Sense is mind before being sophisticated. والإسلام دين الفطرة أي الدين الأساسى، أو الديانة الأم، أو الأصل، وهو عودة إلى الحنيفية أي للبعد عن كل زيغ وهوى، وهو للعالمين (بفتح اللام) ، أي لكل الناس بلا تمييز، والمعرفة التي يتضمنها القرآن معرفة تستهدى الفطرة ويصوغها العقل الفطرى، على عكس اليهودية فهي دين اليهود، ولا أحد غير اليهود، والتوراة التي بين أيدينا لا تخاطب إلا اليهود، وتميزهم وترفع شأنهم على العالمين: ففي سفر الخروج يجيء: «إسرائيل ابني البكر» (4/ 22) ، وفي سفر الأحبار: «الربّ إلهكم الذي فرزكم من بين الأمم» (20/ 24) ؛ وفي سفر العدد: لا تلعن الشعب فإنه مبارك» (22/ 12) ، وفي سفر الملوك الثاني: «إسرائيل الأمة الوحيدة في الأرض التي سار الله ليفتديها لنفسه شعبا، ويجعل لها اسما، ويعمل لها تلك العظائم والمخاوف» (7/ 23) . وفي القرآن يأتي على العكس: أن الله ربّ العالمين نحو 73 مرة، فلم يؤثر الله شعبا من الشعوب، والمؤمنون: به هم المسلمون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت