فهرس الكتاب

الصفحة 1573 من 2524

إقرار بارتكابه ذنب القتل، بمطاوعة من استغاثة من قومه، كقوله تعالى: (فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (القصص 15) ، فهذا الذي استغاثه من قومه مجرم بطبعه، وله باع في الإجرام، ووصفه موسى فقال: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (18) (القصص) ، لأنه بسببه قتل بالأمس رجلا، وفي اليوم التالى دعاه ليقتل آخر، و «الغويّ» من أغوى أي يضلّ، فلما عاتبه موسى ظن أنه سيقتله، وكان موسى يتهيأ ليبطش بعدوهما، ولكن هذا الغويّ قال له أمام عدوه وقد أفشى سرّه: (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) (القصص 19) ، وهنا أقسم موسى أن لا يظاهر أمثاله من المجرمين، أي لا يساندهم ويصاحبهم وينصرهم، فالقاعدة الشرعية والأخلاقية أن لا نعين الظالمين، وفي الحديث: «ينادى مناد يوم القيامة: أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة، حتى من لاق لهم دواة، أو برى لهم قلّما، فيجمعون في تابوت من حديد، فيرمى بهم في جهنم» . وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة، يوم تزلّ فيه الأقدام، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه، أزلّ الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام» وفي الحديث: «من مشى مع ظالم فقد أجرم» ، ولا يكون المشى مع الظالم جرما إلا إذا مشى بقصد أن يعينه على ظلمه، وموسى لم ينتصر لمن هو من شيعته لأنه عنصري متعصب، ولكنه ظن لأول وهلة أنه مظلوم، فلما تبيّن له أنه ظالم انصرف عنه كقوله تعالى: (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) (المائدة 2) ، فاحذر يا أخي أن تظن بموسى السوء، وتوصيف الحادثة هو: «ضرب أفضى إلى الموت» وليس قتلا عمدا.

لم يكن موسى جبارا، قيل لا يكون الإنسان جبّارا حتى يقتل نفسا بغير حق، وموسى لم يقتل الآخر إلا خطأ فقد وكزه كقوله تعالى: (فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (القصص 15) ، والوكز واللّكز واللهز واللهد بمعنى واحد، واللكز يكون في الوجه، والوكز يكون على القلب، وقيل: اللكز الضرب بجمع اليد في الصدر مثل اللّكز، وقيل: وكزه أي ضربه ودفعه لا يريد قتله فإن مات فليس من الوكزة نفسها، وهو معنى فقضى عليه، ولكنه لم يقتله عمدا مريدا للقتل، وفي الحديث: «وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله عزَّ وجل: (وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) (طه 40) ، وتجربة أن يكون قاتلا، وتطارده السلطة، ويخشى على نفسه، ويستشعر أنه ظلم من قتل، كل ذلك كان فتنة له واختبارا، وهذا هو مقصود الآية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت